فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 1349

وقد أسكن أولئك الشباب في جزيرة شمال نواكشوط، وهي جزيرة (تيدرا) ، و (تيدرا) بالعجمية البربرية معناها (المقبرة) ، وذلك أنه يدفنها الماء في بعض فصول السنة فتختفي، وفي بعض الفصول يخف دونها الماء، فأسكنهم في هذه الجزيرة وفصلهم عن المجتمع المنحرف ورباهم تربية عميقة، فكان يجلد من تأخر عن ركعة من الصلاة عشرة أسواط، ومن تأخر عن ركعتين عشرين سوطًا، ومن تأخر عن ثلاث ركعات ثلاثين سوطًا، ومن تأخر عن الرباعية كلها أربعين سوطًا، حتى كونهم رجالًا أهل صلابة وقوة.

وهذا الجلد قد ظنه بعض الناس تطرفًا وتشددًا وتحجرًا، ولكن الواقع خلاف ذلك، كما قالت صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها عندما كانت تضرب حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام في صغره فكان عمه يتهمها فيقول: ما ضربته إلا لبغضك إياه.

فقالت: من خالني أبغضه فقد كذب وإنما أضربه لكي يلب ويهزم الجيش ويأتي بالسلب ولذلك رأى أحد حكماء هذه البلاد وأمرائها وهو الأمير العادل محمد احبيب بن أعمر بن مختار رحمهم الله أجمعين، رأى أحد أولاده يبكي والناس يسترضونه فغضب، فقال: دعوه حتى يشبع من البكاء، فمن لا يبكي لا يُنكي.

إنها كلمة حكيمة قالها هذا الرجل الحكيم، فبقيت أثرًا خالدًا في تربيته لأولاده، فكانوا في السكينة والقوة والصبر على المكان المعروف لهم.

كذلك فإن ابن ياسين رحمه الله أخذ هؤلاء جميعًا بتعلم العلم، فجعل النهار كله للعلم والليل كله للعبادة والدعاء والضراعة إلى الله سبحانه وتعالى، فكان أولئك الذين صحبوه مُثُلًا عالية لهذا الشعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت