(ثم من بعد العدم أنشأ خلقه) : بعد أن كان الكون كله معدومًا أنشأه الله سبحانه وتعالى، والمقصود بالإنشاء الخلق على غير مثال سابق، ويسمى إبداعًا أيضًا ويسمى فطرًا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [فاطر:1] معناه: الذي فطرهن والذي فطرها، ومعناه خلقها على غير مثال سابق، ولم يسبق ذلك أي مثال يحتذى، وهذا الغاية في الإبداع والإعجاز.
وهذا الإنشاء هو النشأة الأولى التي هي من أدلة النشأة الآخرة، كما جاء ذلك في كثير من الآيات في القرآن، فالنشأة الأولى إنشاء الخلق من عدم، والنشأة الآخرة إعادته بعد أن عدم.
فالإنسان مثلًا كان معدومًا فخلقه الله وأنشأه ثم يموت ويفنى ويبلى فيعيده الله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104] ، وهي من أدلة البعث، فالله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه عددًا من أدلة البعث منها النشأة السابقة، فمثلًا قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يس:77 - 78] ، أي: نسي النشأة السابقة {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس:78 - 79] .
كذلك قال تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء:50 - 51] .
وفي سورة الواقعة: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ} [الواقعة:58 - 62] .
فالنشأة الأولى هي دليل النشأة الآخرة.
والإنشاء يقتضي خلقًا من غير مادته، فيقال: أنشأ فلان في سيره؛ لأنه أحدث المشي من غير مادة سابقة، ويقال: أنشأ قصيدة.
أي: قالها من دون أن ينشدها.
ويقال: هذا الشعر إما منشد وإما منشأ، فالإنشاد معناه: أن تقرأ شعرًا قد قاله من سواك، والإنشاء: أن تقول ما لم تسبق إليه.