فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 1349

كذلك إذا نظرنا إلى بيوت المسلمين في الصدر الأول وجدنا أن المسئولية فيها مشتركة، وأن أعظم مهمات الإسلام وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، وقد كان النساء فيه يخرجن مع الرجال، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا خرج في غزوة أقرع بين نسائه فمن خرجت القرعة لها خرج بها في سفره.

وكذلك كان كثير من النساء لا ترضى أن تتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما كلفها ذلك من المشاق، فهاهي أم سليم بنت ملحان وكانت مسنًا حاملًا في شهرها التاسع، حين أراد رسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى فتح مكة، وإلى غزوة حنين والطائف، لم ترض أن تجلس خلفه في المدينة، فقالت: إن الحر الذي يستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهواجر بوجهه، لجدير بنا أن نستقبله.

فخرجت من بيتها مجاهدةً مع رسول صلى الله عليه وسلم حتى شاركت في فتح مكة وفي غزوة حنين، وفي حصار الطائف، وأنجبت ولدها والرسول صلى الله عليه وسلم محاصرٌ للطائف وهي معه.

وكذلك نجد أختها أم حرام بنت ملحان وهي زوجة عبادة بن الصامت رضي الله عنهما، عندما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها فاستيقظ يبتسم فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما يضحكك؟ قال: (قوم من أمتي ملوك على الأسرة أو كالملوك على الأسرة يركبون ثبج هذا البحر، هم في الجنة، فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم) ، فهؤلاء القوم الذين يخاطرون في سبيل الله، ويبذلون أنفسهم لإعلاء كلمة الله، ويركبون ثبج البحر، وهم في الجنة كما شهد لهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لن ترضى هذه المرأة المؤمنة إلا أن تكون في مقدمتهم، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال (أنت منهم) ، وكان قد رآها ورؤيا الأنبياء وحي.

وهكذا فإننا نجد في البيت الإسلامي في الصدر الأول تكاملًا وانسجامًا بين ما يقوم به الرجال وما يقوم به النساء من أعمال، ونجد فيه تضحيةً متبادلةً من الطرفين، وعونًا متبادلًا ومؤازرة على الحق، ونصرًا له، وتعاونًا على البر والتقوى، وتراحمًا ومودة أكدهما الله تعالى في كتابه في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت