كذلك في جانب الخلق: من الأمور المهمة أن يعرف الإنسان أن المنهج المستقيم هو هذا الدين الوسطي الذي يقتضي من الإنسان تحسين الخلق للناس بألا يكون إمعة تابعًا، كل أموره يقضيها غيره، وألا يكون مستكبرًا جواظًا لا يطيع في صغيرة ولا كبيرة، فالحد الوسط يقتضي من الإنسان أن يكون إيجابيًا غير سلبي، كما قال الشاعر: لعمرك ما إن أبو مالك بواهٍ ولا بضعيف قواه ولا بألد له نازع يعادي أخاه إذا ما نهاه إذا سُدته سُدت مطواعة ومهما وكلت إليه كفاه وكما قال الآخر: إذا القوم أموا بيته فهو عامد لأحسن ما ظنوا به فهو فاعله يسرك مظلومًا ويرضيك ظالمًا فكل الذي حملته فهو حامله فتىً قُدَّ قَدَّ السيف لا متضائل ولا رهل لباته وبآدله فهذا يقتضي من الإنسان تمام الشخصية، وألا يكون إمعة مقلدًا في كل الأمر بحيث يقول: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، وبألا يكون أيضًا جافيًا يتقيه الناس مخافة شره، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (شر الناس من تركه الناس اتقاء شره) .
فلذلك لابد أن يحرص الإنسان على الاستقامة في الخلق، فلا يكون من الذين ينقادون لكل أحد فيقبلون البدع ويقبلون المنكر ويسكتون بمشاهدة المنكرات، ويظنون أن ذلك من الخلق والحياء، فهذا غلط، بل هو من الإفراط في الحياء حتى يتجاوز الإنسان الحد، وأنت ولو كنت صغيرًا ضعيفًا فأنت مكلف من عند الله وجندي من جنود الله، ومن هنا فلابد أن تحرس الثغر التي تتولاه وألا يؤتي الإسلام من قبلك.
فلهذا لابد أن تكون يقظًا وأن تكون آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر كبيرًا كنت أو صغيرًا غنيًا كنت أو فقيرًا عالمًا أو جاهلًا، لابد أن تقوم بالحق الذي عليك لله، وأن ترعى الدين فيما يليك وألا يدخل من هذا الثغر الذي أنت قائم عليه، فأنت حارس في الخدمة، ولا يغرك شيطان بدعوى الحياء، فإن الحياء الذي يمنع من تغيير المنكر أو الأمر بالمعروف أو السؤال عن أمر من الدين هو الحياء الذميم المقيت شرعًا، كما قال العلامة محمد مولود رحمه الله: أما الحيا الذميم فالمانع من تغيير منكر أو السؤال عن أمر من الدين ونحو ذلك وهو الذي عد من المهالك ولذلك فإن أم سليم رضي الله عنها عندما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة إذا احتلمت فرأت ما يراه الرجل هل عليها من غسل؟ قالت: إن الله لا يستحي من الحق.
وافتتحت كلامها بذلك.
فلابد أن يعلم الإنسان أن الاستحياء من الحق ذميم وليس من الخلق الطيب الحميد، وأن يعلم أن محاباة الناس والسير معهم في ما هم فيه، وحضور مجالسهم ولو كان فيها ما لا يرضي الله، والإغضاء عن ذلك ليس هو من الخلق الحميد، بل الخلق الحميد يقتضي من الإنسان أن يصبر على أذى الناس فيما يتعلق بشخصه هو، لكن لابد أن يغضب لغضب الله إذا انتهكت حرمات الله، فقد قالت عائشة رضي الله عنه: (ما انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، وما غضب لنفسه، إنما كان يغضب لغضب الله إذا انتهكت حرمات الله) ، فهذا الذي يغضب فيه المؤمن: يغضب إذا انتهكت حرمات الله، أما حقوقه هو فيتغاضى عنها ويسامح فيها، لكن حقوق الله لا يقبل فيها ذلك.
ومن هنا فالمبالغة في تحسين الخلق ولينه حتى لا يستطيع الإنسان أمرًا بمعروف، ولا نهيًا عن منكر، ولا قولًا للحق، ولا وقوفًا بموقف صواب، ويقتضي الخجل من قول الحق، ومن إنكار المنكر، كل هذا من الإفراط المذموم الذي لا خير فيه.
وفي المقابل أيضًا التفريط في الخلق بأن يكون الإنسان جافيًا فظًا غليظًا في كل الأمر، حتى في أمر الله إذا أمر بمعروف أتى بفظاظة وغلظة، وإذا نهى عن منكر أتى بفظاظة وغلظة، وكأنه ملك قائم على رقاب العباد، فهذا النوع ليس مرضيًا عند الله أيضًا، بل هو من التفريط في الخلق.
فلابد أن يكون الإنسان متأدبًا بالخلق الذي اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران:159] .
إن التفريط في الخلق يقتضي من الإنسان أن يسوء أدبه مع والديه وهما أمن الناس عليه، وأن يسوء أدبه مع جيرانه المسلمين ولهم حقان: حق الجوار وحق الإسلام، وأن يسوء أدبه مع كبار السن من المسلمين، وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم توقيرهم فقال: (لن تزال أمتي بخير ما دام كبيرها يرحم صغيرها، وصغيرها يوقر كبيرها) .
ويقتضي سوء الأدب مع الملائكة الذين يشهدون على انتهاره للصغير واعتدائه على الحقوق، ويقتضي سوء الأدب مع الملك الديان سبحانه وتعالى، فلابد أن يتذكر الإنسان قدرة الله عليه، فهذا أبو مسعود البدري رضي الله عنه قال: (كنت أجلد غلامًا لي بالطريق فإذا صوت من ورائي يقول: اعلم أبا مسعود! فنظرت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام، قال: قلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله، قال: أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار) .
فلذلك كان التفريط في الخلق يقتضي من الإنسان أن يكون كالبهائم التي لا خير فيها، نسأل الله السلامة والعافية.
فلابد أن يحسن الإنسان خلقه وأن يهذب نفسه وأن يزكيها وأن يكون ذلك بالمنهج الصحيح وعلى وفق الخلق النبوي.