فذلك لابد أن يعرف الإنسان أن الاجتهاد الزائد في أداء حق الله في مقابل التعطيل لحقوق الآدميين ليس من الاستقامة على المنهج الصحيح، ولا هو من سلوك سواء الطريق، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلًا من الأنصار يلزم المسجد فسأل: من يقوم عليه؟ فقيل: أخوه، فذكر أن أخاه الذي يعمل ويجاهد ويجمع المال من حله وينفق على أخيه هذا أفضل منه، وهذا يقتضي أن المؤمن المعتدل المتكسب الذي ينفق على من تلزمه نفقته أفضل من الذي ينقطع للعبادة فيكون كلًا على الآخرين وعالة عليهم.
من هنا علينا أن نعلم أن الإنسان إذا أراد المبالغة في العبادة وتجاوز الحد فحينئذ لا يمكن أن يشاد الدين إلا غلبه، ولابد أن يأتي وقت يضعف فيه أمام بدنه، أو أمام عقله، أو أمام نفسه، أو أمام شهوته، أو أمام المرض الذي يصيبه، ولابد كذلك أن يصاب بإحباط من كثرة ما يحصل، ولذلك حصل لبعض الذين دخلوا هذا الباب وبالغوا فيه أنه كان يظن أن مقامه عال جدًا، فلما حضره الموت ندم غاية الندم وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب.