علينا أن نصل أرحامنا، وأن نعلم أن كثيرًا من الضيق في الرزق، ومن نقص البركة في العمر، ومن عدم الارتياح والطمأنينة في الوظائف والأعمال سببه عدم أداء حق الرحم، وقد سمعت من بعض العقلاء في هذا البلد أنه جرب تجربة، وهي أن كل موظف أنفق راتبه الأول في صلة أرحامه سيبارك في راتبه ولن يبتلى بالديون بعد ذلك، وأن كل من لم ينفق راتبه الأول في صلة أرحامه قل ما يبارك له في راتبه، وقد ذكر أمثلة كثيرة من ذلك في واقعه وفي الذين يعرفهم.
فلا شك أن صلة الرحم سبب للبركة مطلقًا، فلذلك ينبغي للإنسان أن يعلم أن كثيرًا مما يعانيه من عدم استجابة دعائه، أو من تأخر نجاحه في الامتحان، أو من التضييق عليه في الرزق، أو من عدم وجود الأولاد أو الزوج الصالح، أو غير ذلك من النعم، إنما تحبس بتأخره عن صلة رحمه، فليتعاهد رحمه وليبادر لصلته، فإن ذلك سبب لفتح الأغلاق.
كان رجل من الأنصار عاقًا بأمه، فلما أدركه الموت عرضت عليها الشهادتان فامتنع ولم يستطع أن ينطق بهما، فاشتد ذلك على الناس، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبروه بشأنه، فدعا أمه فسألها أن تغفر له وأن تسامحه، فامتنعت من ذلك، فأمر بنار فأوقدت، ثم قال: احملوه فارموه في النار، فلما رأته أمه يحمل إلى النار رحمته فسامحته وغفرت له، فحينئذٍ انطلق لسانه بالشهادتين، فما زال يكررهما حتى مات.
إن أمرًا يحول بين الإنسان وبين النطق بالشهادتين لأمر عظيم، وبالأخص عند الموت والاحتضار، كذلك فإن كثيرًا من الذين يخالطهم الإنسان ويعايشهم قل ما يسلم من الحيف عليهم والجور، فعليه أن يحاول استرضاءهم قبل أن يخاصموه بين يدي الله.
وقد حدثني رجل من العلماء والمعروفين بالصلاح في جزيرة العرب، أن أمه كانت امرأة صالحة قوامة صوامة، وكانت تخدمها جارية، فكانت ربما أساءت إليها، وهو لا يعلم إلا خيرًا لا يعلم ذلك، فلما ماتت أمه رأتها جارة لهم من الصالحات في النوم، فقالت: اذهبي إلى ابني عبد الرحمن فأخبريه أني بخير وأني ما لقيت ضررًا إلا من فلانة، فقد كنت أسأت إليها فليسترضها عني، قال: فجاءتني المرأة تطرق عليّ الباب بعد صلاة الفجر فأخبرتني بما رأته في النوم، فذهبت إلى تلك الجارية أسترضيها، فقلت: هل لك حق على فلانة، فقالت: لا، وامتنعت في البداية أن تقر بشيء، فما زلت بها حتى أقرت أنها ماتت وهي تجد عليها في نفسها، قال: فاسترضيتها بمال حتى رضيت، ثم مكثت أسبوعًا فإذا المرأة تطرق عليَّ الباب بعد صلاة الفجر، فقالت: لقد رأيت أمك البارحة في حالة عجيبة من النعيم، فأخبرتني أنك سددت عنها بابًا عظيمًا كانت تجد منه أذى.
فلذلك على الإنسان أن يسترضي الذين يمكن أن يكون أساء إليهم من الخدم أو الجيران أو الذين يعاشرهم، فهم خصوم يوم القيامة، فعلى الإنسان أن لا يدعهم يحملون الضغائن فيأتون بين يدي الحكم العدل فيشكون إليه سبحانه وتعالى، وما دام الإنسان في هذه الدنيا يستطيع أن يسترضي خصومه فعليه أن يبادر لذلك.
إن الكلام حتى لو طال وانتشر في صلة الأرحام لن يؤدي شيئًا منها، وإن ما ذكرناه إذا لم نعد به إلى واقعنا ونطبقه في أمور حياتنا فلا أثر له ولا فائدة، لكن علينا أن نذهب إلى بيوتنا ونحن عازمون على أداء هذا الحق الذي سمعناه وسمعنا أدلته من كلام الله وكلامه رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأن نعزم على أداء الحقوق إلى ذويها، وعلى صلة الأرحام ما استطعنا، وأن نستسمحهم فيما مضى من التفريط، فإنها حقوق تحمل إلى الدار الآخرة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يزيدنا علمًا، وأن يبارك لنا فيما سمعنا، وأن يجعله حجة لنا على علينا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى وآله وأصحابه أجمعين.