كل هذه الأنواع يجمعها جامع وهو أن العلم الحاصل بها علم قطعي لا يمكن أن يشكك فيه صاحبه، فكل من أوحي إليه لا يستطيع أن يجادل نفسه هل هذا صدق أو غير صدق، ويحصل له اليقين الجازم الذي لا يقبل الشك، وهو أشد من يقينك بالمرئيات والمسموعات، وأنه يصل إلى بشاشة القلوب، والمسموعات والمرئيات يمكن أن تشكك فيها؛ لأن البصر يتفاوت والسمع يتفاوت، فلذلك كان الوحي أبلغ وسائل العلم.
قوله: (والوحي حق) ، يجب الإيمان بأن ما أوحاه الله لا يمكن أن يكون إلا حقًا لأنه يقول: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء:87] ويقول: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ} [آل عمران:95] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء:122] .
والوحي قول الله فلذلك لابد أن يكون حقًا، فلهذا قال: (والوحي حق ليس قولًا يختلق) ، وهذه مبالغة في تفسير كونه حقًا، وهو مأخوذ من القرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [يوسف:111] ، فلا يمكن أن يختلقه أي واحد.
ولهذا قال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:44 - 47] ، فلا يستطيع أحد أن يدافع عنه حينئذٍ.
قوله: (ليس قولًا يختلق) ، الاختلاق بمعنى الكذب ومنه قول الله تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} [ص:7] واشتقاقه مما يتكلف الإنسان خلقه، والإنسان لا يَخلُق لكنه يَختلِق، بمعنى يزعم فعل شيء غير صحيح، وهذا الذي يسمى بالاختلاق، والمختلَق هو الكلام المكذوب على صاحبه.