وقال الإمام ابن كثير ـ رحمه الله ـ:"يقول تعالى ناهيا لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو."ا. هـ
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ـ رحمه الله ـ في"تفسيره":"وفي هذه الآية الكريمة دليل للقاعدة الشرعية وهو: أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم - ولو كانت جائزة - تكون محرمة، إذا كانت تفضي إلى الشر."ا. هـ
(2) عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ ـ قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فِي جَيْشٍ ـ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَار، ِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ:"مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ!"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ:"دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ". فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقَالَ: فَعَلُوهَا! أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ:"دَعْهُ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ"
أخرجه البخاري في"التفسير"برقم (4905) ، ومسلم في"البر والصلة"برقم (63/ 2584) ، والترمذي في"التفسير"برقم (3315) .
فترَك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتل المنافقين ـ مع استحقاقهم له ـ لما يترتب عليه من مفسدة أعظم من مفسدة وجودهم وإفسادهم، وتتمثل تلك المفسدة الأعظم بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ"، فخشية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أن يتحدث الناس بما يصدهم عن الدخول في دين الله ـ تعالى ـ وهو القتل بتهمة النفاق منعته من تطبيق حكم جائز ـ شرعًا ـ في أصله. وتَرْكُهُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذاك ـ يندرج تحت قاعدة مراعاة مآلات الأفعال والأقوال.
قال النووي ـ رحمه الله ـ:"وفيه ـ أي الحديث السابق ـ ترك بعض الأمور المختارة، والصبر على بعض المفاسد؛ خوفًا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم"."شرح صحيح مسلم"كتاب البر والصلة (45) ، باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا (16) . (8/ 191) .
(3) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ:"يَا عَائِشَةُ لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ؛ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتْ الْكَعْبَةَ". أخرجه البخاري برقم (126، 1583ـ1586) ومواضع أخرى، ومالك في"الحج" (33) باب ما جاء في بناء الكعبة برقم (104) ، ومسلم في"الحج"برقم (1333) واللفظ له، والترمذي في"الحج"برقم (875) ، والنسائي في"المناسك"برقم (2901ـ2902) ، وابن حبان في"صحيحه"برقم (3817ـ3818) ، وابن خزيمة في"صحيحه"برقم (3022) ، وغيرهم.
وترجم الإمام البخاري في"صحيحه"كتاب (3) العلم، (48) باب:
"من ترك بعض الاختيار؛ مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشد منه"، ثم أورد حديث رقم (126) مختصرًا بلفظ"يا عائشة! لولا قومك حديثٌ عهدُهم ـ قال ابن الزبير ـ بكفر، لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين؛ باب يدخل الناس، وباب يخرجون".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)