اللهم يامقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ...
قال العلاّمة ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- في شرح الحديث الرابع من أحاديث الأربعيين النووية ما نصه: (إِنَّ أَحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ أي حتى يقرب أجله تمامًا. وليس المعنى حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع في مرتبة العمل، لأن عمله الذي عمله ليس عملًا صالحًا، كما جاء في الحديث: إِنَّ أَحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فيما يبدو للناس وهو من أهل النار لأنه أشكل على بعض الناس: كيف يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
فنقول: عمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ولم يتقدم ولم يسبق، ولكن حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أي بدنو أجله، أي أنه قريب من الموت. فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فيدع العمل الأول الذي كان يعمله، وذلك لوجود دسيسة في قلبه (والعياذ بالله) هوت به إلى هاوية.
أقول هذا لئلاّ يظن بالله ظن السوء: فوالله ما من أحد يقبل على الله بصدق وإخلاص، ويعمل بعمل أهل الجنة إلا لم يخذله الله أبدًا.
فالله عزّ وجل أكرم من عبده، لكن لابد من بلاء في القلب.
واذكروا قصة الرجل الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة من غزواته عليه الصلاة والسلام، وكان هذا الرجل لا يدع شاذة ولا فاذة للعدو إلا قضى عليها، فتعجب الناس منه وقالوا: هذا الذي كسب المعركة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فعظم ذلك على الصحابة رضي الله عنهم كيف يكون هذا الرجل من أهل النار؟ فقال رجل: لألزمنه، أي أتابعه، فتابعه، فأصيب هذا الرجل الشجاع المقدام بسهم من العدو فجزع، فلما جزع سل سيفه (والعياذ بالله) ثم وضع ذبابة سيفه على صدره ومقبضه على الأرض، ثم اتّكأ عليه حتى خرج من ظهره، فقتل نفسه، فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره وقال: أشهد أنك رسول الله، قال: بِمَ قال: إن الرجل الذي قلت فيه إنه من أهل النار حصل منه كذا وكذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيْمَا يَبْدُو للِنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
واذكروا قصة الأصيرم من بني عبد الأشهل من الأنصار، كان منابذًا للدعوة الإسلامية عدوًا لها، ولما خرج الناس إلى غزوة أحد ألقى الله تعالى في قلبه الإيمان فآمن وخرج في الجهاد وقتل شهيدًا، فجاء الناس بعد المعركة يتفقدون قتلاهم وإذا الرجل، فقالوا: ما الذي جاء بك يا فلان، أجئت حدبًا على قومك، أم رغبة في الإسلام، قال: بل رغبةفي الإسلام، ثم طلب منهم أن يقرؤوا على النبي صلى الله عليه وسلم السلام، فصار هذا ختامه أن قتل شهيدًا مع أنه كان منابذًا للدعوة).
وقال أيضًا في شرحه على رياض الصالحين: (قال:(( فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ) ). ولكن أبشروا فإن هذا الحديث مقيد، بأنه لا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وأما الذي يعمل بعمل أهل الجنة بقلب وإخلاص فإن الله لا يخذله عز وجل، والله أكرم من العبد، فإذا عملت بعمل أهل الجنة بإخلاص ـ نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين منهم ـ فإن الله لا يخذلك، لكن فيما يبدو للناس.
والدليل على هذا القيد ما ثبت في صحيح البخاري، أن رجلًا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، وكان شجاعًا مقدامًا، لا يترك للعدو شاذة ولا فاذة إلا قضى عليه، فتعجب الناس منه؛ ومن شجاعته، من إقدامه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: (( إنه من أهل النار ) )أعوذ بالله، هذا الشجاع الذي يفتك بالعدو من أهل النار؟ فكبُر ذلك على المسلمين، وعظم عليهم، وخافوا، كيف يصير هذا من أهل النار؟
فقال رجل: والله لألزمنه؛ أتابعه وأراقبه؛ لأرى نهايته كيف تكون؟ فمشى معه، وفي أثناء القتال أصاب هذا الرجل الشجاع السهم فجزع، فأخذ بسيفه فسله، فوضعه في صدره، واتكأ عليه حتى خرج من ظهره، قتل نفسه جزعًا، فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: وبم؟
قال:الرجل الذي قلت إنه من أهل النار. حصل له كذا وكذا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ) )
الحمد لله على هذا القيد، يعمل فيما يبدو للناس بعمل أهل الجنة وهو من أهل النار، يظنون أنه صالح، ولكن في قلبه فساد وهو من أهل النار).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)