فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 42436 من 67893

لا شك أن الإنسانية وصف كمال، لا ريب في هذا، ومحمل المادحين بها: أن الممدوح بها أكمل في نعوت الكمال الإنساني ممن سواه، وهذا معنى مقبول، لا يعارض شرعًا.

صحيح أن بعض المتفلسفة قديمًا وحديثًا قد استخدموها في ترويج فكرة دهرية منحرفة، لكن المعاني والألفاظ ليست وقفًا على طائفة دون أخرى، فالاصطلاحات لا مشاحة فيها ما دام المعنى واضحًا.

وللاختصار أسوق كلام الراغب الإصفهاني في كتابه"تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين"، فقد عقد فصلًا مهمًا قال فيه ما نصه - مع التحفظ على بعض ما قال:

الباب العشرون: في أن من لم يختص بالشرع وعبادة الله فليس بإنسان

لما كان الإنسان إنما يصير إنسانًا بالعقل، ولو توهمنا العقل مرتفعًا عنه لخرج عن كونه إنسانًا، ولم يكن إذا تخطينا الشبح الماثل الاّ بهيمة مهملة أو صورة ممثلة.

والعقل لن يكمل بل لا يكون عقلًا إلا بعد اهتدائه بالشرع كما تقدم ولذلك نفي العقل عن الكفار لما تعرّوا عن الهداية بالشرع في غير موضع من كتابه، والاهتداء بالشرع هو عبادة الله تعالى.

فالإنسان إذًا في الحقيقة هو الذي يعبد الله ولذلك خُلقَ كما قال الله تعالى: (وما خلقتُ الجن والإنس إلاّ ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) . وكما قال تعالى: (وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصينَ له الدين) فكلُّ ما أُوجد لفعل فمتى لم يوجد منه ذلك الفعل كان في حكم المعدوم، ولذلك كثيرًا ما يسلب عن الشيءِ اسمه إذا وجد فعله ناقصًا، كقولهم للفرس الرديء: ليس هذا بفرس وللإنسان ليس هذا بإنسان. ويقال: فلان لا عين له ولا أُذن له إذا بطل فعل عينه وأُذنه وإن كان شبحهما باقيًا، وعلى هذا قال تعالى: (صمٌ بكمٌ عميٌ) . فيمن لم ينتفع بهذه الأعضاء.

فالإنسان يحصل له من الإنسانية بقدر ما يحصل له من العبادة التي لأجلها خُلق، فمن قام بالعبادة حق القيام فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ من الإنسانية فصار حيوانا أو دون الحيوان كما قال الله تعالى في وصف الكفار: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلا) . وقال: (ان شر الدواب عند الله الصمُّ البكُم الذين لا يعقلون) . فلم يرضَ ان يجعلهم أنعامًا ودواب حتى جعلهم أضلَّ منها وجعلهم من أشرارها، وأخرج كلامهم عن جملة البيان فقال تعالى: (وما كان صلاتهم عند بيت إلا مُكاءً وتَصْدِيَة) تنبيها على انهم كالطيور التي تمكو وتُصَدّي ونبه تعالى بنكتة لطيفة على أن الإنسان لا يكون إنسانًا إلاَّ بالدين ولا ذا بيان إلا بقدرته على الإتيان بالحقائق الدينية فقال تعالى: (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان) فابتدأ بتعليم القرآن ثم بخلق الإنسان ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينهما وكان الوجه على متعارف الناس أن يقول خلق الإنسان وعلمه البيان وعلمه القرآن.

فان إيجاد الإنسان بحسب نظرنا مقدم على تعليم البيان وتعليم البيان مقدم على تعليم القرآن، لكن لما لم يُعَد الإنسان إنسانا ما لم يتخصص بالقرآن ابتدأ بالقرآن، ثم قال خَلق الإنسان تنبيهًا على ان بتعليم القرآن جعله إنسانًا على الحقيقة، ثم قال علمه البيان تنبيهًا على ان البيان الحقيقي المختص بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن فنبه بهذا الترتيب المخصوص وترك حرف العطف منه وجعل كل جملة بدلًا مما قبلها لا عطفًا على إن الإنسان ما لم يكن عارفًا برسوم العبادة ومتخصصًا بها لا يكون إنسانًا، وان كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع لا يكون بيانًا.

فإن قيل فعلى ما ذكرته لا يصح أن يقال للكافر إنسان وقد سماهم الله بذلك في عامة القرآن. قيل انا لم نقل إنا لا نسمي الكافر على تعارف الكافة، بل قلنا قضية العقل والشرع تقتضي أن لا يسمى به إلا مجازًا ما لم يوجد منه العقل والشرع تقتضي أن لا يسمى به إلا مجازًا ما لم يوجد منه العقل المختص به، ثم أن سمي به على سبيل تعارف العامة فليس ذلك بمنكر فكثير من الأسماء يستعمل على وجه فيبين الشرع أن ليس استعماله على ما استعملوه كقولهم الغنيُّ فإِنهم استعملوه في كثرة المال، وبيَّن الشرع أن الغنى ليس هو بكثرة المال، قال عليه الصلاة والسلام:"ليس الغني بكثرة المال وإنما الغني غنى النفس". فيشير إلى أن الغنى ليس هو كثرة المال. وقال تعالى (ومن كان غنيًا فليستعفف) . أي كثير الأعراض، فاستعمله على ما هو متعارف.

وجملة الأمر أن اسم الشيء إذا أطلقه الحكيم على سبيل المدح يتناول الأشرف منه كقوله تعالى: (وأنه لَذكرٌ لك ولقومك) وقوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) وإن كان الذكر قد يقال للمحمود والمذموم.

وعلى هذا يمدح كل شيء بلفظ نوعه، فيقال: فلان هو إنسان. وهذا السيف سيف. ولهذا قيل: الإنسان المطلق هو نبي كل زمان. وقد قال عليه الصلاة والسلام:"الناس اثنان عالم ومتعلم وما عداهما هَمَج".

وقال بعض العلماء: قول من قال الإنسان هو الحي الناطق الميت صحيح. وليس معناه ما توهمه كثير من الناس من أنه من الحياة الحيوانية والموت الحيواني والنطق الذي هو في الإنسان بالقوة، وإنما أريد بالحي من كان له الحياة المذكورة في قوله تعالى: (لينذر من كان حيًا) . وبالنطق البيان المذكور بقوله: (علمه البيان) وبالميت من جعل قوته الشهوانية الغضبية مقهورتين على مقتضى الشريعة فيكون حينئذ ميتًا بالإرادة حيًا بالطبيعة كما قيل: مت بالإرادة تحيَ بالطبيعة. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أمات نفسه في الدنيا فقد أحياها في الآخرة. أريد بالحي من كان له الحياة المذكورة في قوله تعالى: (لينذر من كان حيًا) . وبالنطق البيان المذكور بقوله: (علمه البيان) وبالميت من جعل قوته الشهوانية الغضبية مقهورتين على مقتضى الشريعة فيكون حينئذ ميتًا بالإرادة حيًا بالطبيعة كما قيل: مت بالإرادة تحيَ بالطبيعة. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أمات نفسه في الدنيا فقد أحياها في الآخرة.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت