فقلت له -لأني لا أستطيع مثل هذا الأخ السلفي أن أُلقِّنه الأدلة في جلسة واحدة، وبخاصة وهو يأتيني وأنا منكب على البحث والتحقيق في المكتبة الظاهريَّة، وليست المكتبة مجالًا للوعظ والتعليم و و إلى آخره؛ فأعطيته كلمات يمكن بها أن يُفهم صاحبه ورئيسه-.
قلت له: مادام الأمر كذلك؛ كلما أمرك الرئيس بشيء فأنت لا تطعه؛ بيقولك مثلًا: أعطيني الكتاب الفلاني، أعطيني القلم، أعطيني الورق، أعطيني كذا؛ بالتعبير السوري قلت له:"طنِّش"!"طنِّش"؛ يعني: اعلم حالك ما سمعت؛ حتى يضجر الآمِر!
فسوف يقول لك: يا أخي! مالك أنت؟! لماذا لا تسمع؟ لماذا لا تنفذ الأمر؟
بتقول له: يا أستاذ! أنت تعلمنا منك أن الأمر لا يفيد الوجوب، فأنا لست مسئولًا وهكذا فعل، فتخلص منه.
الحقيقة أنَّ هذه معطلة، إذا قيل بأن الأمر لا يفيد الوجوب، فمتى يستطيع المأمور إذا قال السيد للخادم: (روح جيب ماي) ، وهو كما هو في مكانه، ولا يستجيب لأمره، لماذا؟ لأنَّ الأمر لا يفيد الوجوب؛ حتى [ايه؟] يكون فيه قرينة.
فمن أين تأتي القرينة لمثل هذا المأمور أو ذاك؟
الأمر يفيد الوجوب، فلما جاءت الآية: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}
فمعنى ذلك: رفع الأمر السابق: (ذروا البيع) : اتركوا البيع، الآن جاء الأمر بالسعي وراء الرزق؛ فرفع ذلك الحظر.
فالأمر بالشيء بعد النهي عنه؛ إنما يفيد الإباحة، ولا يفيد الوجوب.
إذا الأمر كذلك؛ فالواعظ الذي يعظ النَّاس يوم الجمعة بعد الصلاة ليس مخالفًا للحديث؛ لأنَّ الحديث لا يوجب الانصراف فورًا، كما يوجب الانصراف من الصلاة بالسلام، فتحريمها التَّكبير، وتحليلها التَّسليم، شتَّان ما بين هذا وذاك. هذا بالنسبة للواعظ يوم الجمعة.