فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 811

ومن ذلك أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم رأى أصحابه ذات يومٍ في سفرٍ وقد نزلوا في منزلٍ وتباعدت بهم المنازل في الصحراء ما بين الشجر، فقال لهم عليه الصلاة والسلام بعد أن سكت عنهم دهرًا طويلًا- ذلك من سياسته عليه الصلاة والسلام أن يصبر على الناس وأن يأخذهم بالرفق إلى أن يحين وقت التذكير والتنبيه- فقال لهم هليه الصلاة والسلام في ذلك المنزل الذي نزلوا فيه في الصحراء، فقال:"إنما تفرقكم هذا في الوديان من عمل الشيطان"ليس التفرُّق فقط في المسجد، في الصفوف وفي الحلقات هو من عمل الشيطان بل وفي الصحراء حيث هناك أرض الله الواسعة، فحضَّهم النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم على أن يتقاربوا بالأبدان وأن يجلسوا بعضهم قريبًا من بعض لأن في ذلك تأثيرًا على القلب لأن الظاهر عنوان الباطن كما يقول بعض أهل العلم، يقول راوي هذا الحديث وهو أبو ثعلبة الخُشني رضيَ الله:"فكنَّا بعد ذلك إذا نزلنا في مكان -يعني من الصحراء- إجتمعنا حتى لو جلسنا على بساطٍ لوسعنا"؛ أي بعد أن ذكَّرهم النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بأن هذا التفرُّق في الوديان والشِّعاب من عمل الشيطان استجابوا للنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فيما بعد من الأسفار فكانوا إذا نزلوا في مكانٍ إجتمعوا حتى لو جلسوا على بساطٍ واحد لوسعهم، فهذا أيضًا مما يؤكِّد أن التفرُّق بالأبدان يسبب التفرُّق في القلوب والبصائر ولهذا كان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يؤكِّد أن الظاهر يؤثر في الباطن، كما أن الباطن يؤثر في الظاهر؛ أي صلاح الباطن يؤثر في صلاح الظاهر، وصلاح الظاهر يؤثر في صلاح الباطن. وهذه حقيقة نبوية نفسية قلَّما أن ينتبهوا لها من المتمسكين بالسنَّة فضلًا عن غيرهم.

أعني بذلك قول النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث النُّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: (( إن الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وأن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه ) )، والشاهد فيما يأتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت