لكننا نعتقد أو نراها على الأقل أنها وسيلة تحقق غرضًا شرعيًا وحينئذ فتدخل مثل هذه الوسيلة فيما يسمى بباب المصالح المرسلة.
عندنا مثلًا قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه وغيرها مما يدخل فيما نحن في صدده في هذه اللحظة، فكلنا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في زمانه يوم الجمعة إلا أذان واحد -ولا حاجة للتفصيل لأني أظن أنكم جميعًا على علم بذلك- ومضى على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أبو بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان شطرًا من خلافته، ثم أحدث وأوجد الأذان الثاني وجعله في مكان بعيد أو قريب من المدينة يسمى بالزوراء حيث كان الناس يومئذ يتبايعون في هذا المكان فلا يسمعون أذان المسجد النبوي فجعل الأذان الثاني في ذلك المكان إيذانًا وإخبارًا وإعلامًا لهؤلاء الناس الذين هم في السوق بأن وقت الصلاة -صلاة الجمعة- قد حان، ثم صارت هذه السنة العثمانية سنين إلى أن جاء هشام بن عبد الملك بن مروان من خلفاء أو ملوك بني أمية فنقل -مع الأسف- هذا الأذان من الزوراء وأدخله إلى المسجد النبوي، وحدث من هنا بدعة وترتب من ورائها بدعة أخرى:
البدعة الأولى: إدخال الأذان الذي سنَّه عثمان للإعلام لمن كان بعيدًا عن المسجد فهو جعله في الآذان للمسجد حيث لا حاجة لأهل المسجد أن يسمعوا هذه الأذان فإنهم سيسمعون الأذان النبوي الرحيب، ثم ترتب مع هذا الإحداث الجديد الذي لا سند له إيجاد سنَّة بين الأذانين سموها بسنة الجمعة القبلية، ويهمني من هذه الرواية ما يتعلق بعثمان رضي الله عنه، في اعتقادي أن عثمان -رضي الله عنه- لا نستطيع أن نقول ابتدع الأذان الثاني، ذلك لأنه لم يقصد بهذا الأذان الذي زاده على الأذان العثماني إلا تحقيق مقصد شرعي معروف بأدلة كثيرة، بعضها جاء ذكره في سبب شرعية الأذان.
فكلنا يعلم أن المسلمين في العهد الأول في شرعية الأذان من شرعية الصلاة لم يكونوا يؤذنون وإنما كانوا يمر بعضهم على بعض فيقول الصلاة الصلاة، كما يفعل بعض الجهلة اليوم في بعض البلاد العربية فإنهم بعد الأذان مباشرة يفتح أحدهم نافذة المسجد فيرفع صوته ليُسمع الناس الصلاة يا مُصلِّين الصلاة، كانوا في أول شرعية الصلاة في المدينة وشرعية الجماعة ينادي أحدهم جيرانه وأصحابه"قد"