ذكرت لكم آنفًا أبو بكر وعمر في أول خلافته- صارت هذه السُنَّة نسيًا منسيا وحل محلها سُنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي نحن بصدد الكلام عنها وصارت شريعة أبدية إلى هذا العصر إلى ما قبل نحو ربع قرن من الزمان حيث فاء بعض القضاة أو المُتفقهة تفقهًا مذهبيًا الذين لا يبنون أحكامهم على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وإنما يُقيمونها على مراعاة مصلحة الأمة - زعموا- وليس كل مصلحة يدَّعيها إنسان يجوز أن يضع لها حُكما إلا إذا كان متفقها في كتاب الله وفي سُنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فلمَّا نظروا كثرة المشاكل- أعني هؤلاء المُتفقهة أو القضاة- لما رأوا كثرة المشاكل التي تقع بين الأزواج بسبب الطلاق الذي لم يُبنى على وعي وتفكير وقد يكون هذا الطلاق ناتجًا من ثورة غضبية لا ينفذ فكثرت حوادث الطلاق فأرادوا تقليلها فلم يجدوا سبيلا أمامهم إلا -لا أقول إلا الرجوع إلى السُنَّة فإنهم لا علم عندهم بالسنة من قبل بل كانوا يحاربون السُنَّة صراحة زعمًا منهم أن هذه السُنَّة كغيرها أو كثير من غيرها مُخالف للمذاهب الأربعة، أمَّا هنا فحين حكَّموا المصلحة تجرؤا على المذاهب الأربعة وأخذوا - ليس بالسنَّة أعود فأقول تنبيهًا- ولكن بمذهب ابن تيمية.
مذهب ابن تيمية رحمه الله - كما نعلم - في أكثر فتاواه جزاه الله عن الإسلام خيرًا قائم على الكتاب والسُنَّة من ذلك هذه المسألة فهو ظل يُفتي بها بين جمهور القضاة والمُفتين في زمانه الذين كانوا يُفتون كما كان يفعل القُضاة قبل هذا التعديل، فإبن تيمية لا تأخذه في الله لومة لائم فانتشر مذهبه في العصر الحاضر وعُرف حتى عند هؤلاء القضاة المذهبيين فوجدوا أن مشكلة الطلاق المُتكررة تُحلُ بتبني مذهب ابن تيمية حتى لو كان مذهب بابن تيمية مُخالفًا - لا سمح الله- للكتاب والسنة فهم يتبنونه ولا يُبالون مُخالفته للكتابة والسُنة فَرَضًا لأنه بذلك تُحل المشكلة التي لمسوها لمس اليد. أما المسلم الفقيه حقًا فهو يَظل متمسكًا بالسُنَّة طيلة حياته لا يُبالي الناس شيئًا إطلاقًا ولا يهتم بهم رضوا أم غضبوا كما قيل عن بعض السلف:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعي