الشاهد من هذا الحديث وفيه أحكام جمة كما سمعتم وفوائد عديدة، إنما الشاهد منه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سألها عن عقيدة تتعلق بكل مُسلم ألا هو قوله عليه السلام (( أين الله ) )فأجابت بالجواب الصحيح قالت: في السماء، قال لها: (( من أنا ) )قالت: أنت رسول الله فحكم عليها بأنها مؤمنة لأنها أجابت عن السؤالين جوابًا صحيحًا، انظروا الآن الفوارق، هذه جارية ترعى الغنم عرفت العقيدة الصحيحة في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه5] هذه العقيدة التي لا يزال المسلمون يختلفون فيها اختلافًا جمَّا ولا يزال جماهيرهم منهم بعض العرب وأكثرهم من العجم لايزالون يجهلون هذه العقيدة الصحيحة بل ويحاربونها أيضًا، فإذا أفترضنا جوًا مثل ذلك الجو النبوي، جارية ترعى الغنم عرفت ما لا يعرفه كبار المشائخ في بعض البلاد، فمن كان من عامَّة الناس في تلك البلاد من أين له أن يعرف العقيدة الصحيحة كما عرفتها هذه الجارية والعلماء في تلك البلاد هم يعتقدون خلافها ويقولون ويقولون ما لايجوز، كمثل قولهم إذا قلت لهم: أين الله؟ يقولون: نعوذ بالله هذا سؤال لا يجوز، سؤال لا يجوز والرسول هو الذي سنه؟! هكذا يقولون لا يجوز هذا السؤال، لماذا؟ لأن الجواب لايجوز اكثر وأكثر، لا يجوز أن يقول المسلم كما قالت الجارية: الله في السماء، وكثيرون من هؤلاء العلماء الأعاجم بل وفيهم بعض العرب بعضهم من الشراكسه وبعضهم من المغاربة حاولوا من صحة هذا الحديث وما ذاك إلا لأنه يحمل في طواياه العقيدة الصحيحة فيما يتعلق بتفسير قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، فيعللون هذا الحديث مع كونه في صحيح مسلم ومع كونه- يشهد الله- لا علة له إطلاقًا، أقول هذا لأنه قد يوجد في صحيح مسلم وفي غيره ما يمكن أن يكون فيه طعن ما كتدليس ونحو ذلك أما هذا الحديث فذلك من فضل الله علينا وعلى الناس فليس فيه أي طعن من حيث إسناده ولكن أهل الأهواء إن كانت العقيدة في القرآن حاولوا اللف والدوران حولها بتأويلها وإخراجها عن دلالتها الصريحة، وإن كانت العقيدة في السنة حاولوا الطعن فيها بكل وسيلةٍ ولو كانت فاشلة.
فإذن الذي يعيش مثلًا في جو مثل الأردن، مثل سوريا، مثل مصر أكثر علمائها لا يعرفون هذه العقيدة بصورة خاصة، والعقيدة السلفية بصورة عامة، أفلا يُعذر المسلمون الذين يقيمون في تلك البلاد؟ نقول