القسمين الذين ذكرناهما، ولذلك لا نصفه بأنه توفيق إلا عند وقوع الطاعة، ولا بأنه عصمة إلا عند مجانبة المعصية. وقد نصفه قبل ذلك بأنه لطف.
واختلف شيخانا، رحمهما الله، فكان أبو على يقول: إن اللطف إنما يتقدم الطاعة وقتا واحدا، وعند أبى هاشم، رحمه الله، يجوز أن يتقدم بالأوقات الكثيرة، ما لم يبلغ الحد الذى يسهو عنه ولا يعرف حاله. وهذا هو الأولى لأن الغرض أن يعرفه فيدعوه إلى الطاعة. وهذا المعنى قد يحصل بتقدمه الأوقات الكثيرة، كما يحصل متى تقدم وقتا واحدا، لكنه إذا كان المعلوم أنه متى تقدم وقتا واحدا كفى في كونه لطفا، فتقدمه الأوقات الكثيرة لا يحسن إلا بأن يختص بزيادة في اللطف، لأنه تعالى ممن لا يخشى الفوت، فيحسن منه أن تقدم، كما يحسن منا تقديم ما يحتاج إليه قبل وقته. وقد يجوز أن يكون فيه ما لا يكون لطفا إلا إذا تقدم الأوقات الكثيرة، ويتكرر عمله به ومشاهدته له. فإذا كان كذلك، فلا بد من تقديمه هذه الأوقات. فعلى هذا يجب أن يعتبر هذا الباب.
اعلم أن العبد لا شبهة في أنه يوصف من القدرة بأنه قادر قوى مستطيع، ومن سائر وجوه التمكين بأنه متمكن لأجله، ولأجل العلم والعقل بأنه عاقل عالم. فأما من حيث بين له ودل فإنه يوصف بأنه مدلول، وبأنه مبين له.
ويوصف من حيث لطف له بأنه ملطوف له. وكذلك من التوفيق والعصمة يوصف بأنه موفق معصوم. ويوصف من الصلاح بأنه صالح، متى كان مفعولا به، ومتى
كان معرّضا له قيل له: مستصلح، ولا يقال فيه إنه صالح. ولا شبهة في أنه يوصف بأنه ملطوف له ومستصلح، وإن كان كافرا ذاهبا عن الطريقة.