فهذا هو الذى يجب أن يحصل عليه المكلف ليحسن تكليفه [و] لو صح أن يكون ممن لا يشق عليه، لوجب في الحكمة أن لا يجعل على هذه الصفة، لأن الغرض تعريضه للثواب دون العقاب، بل الغرض تنقيذه من العقاب، ولو صح أن ينقذ منه، والحال ما ذكرنا، لوجب أن يجعل كذلك، لكنه لما كانت الشرائط التى معها يستحق الثواب يحصل معها الشروط التى لكونه عليها يستحق العقاب بالقبيح، وحسن في الحكمة تعريضه للثواب، حسن في الحكمة أن يجعل بحيث يصح أن يستحق العقاب بالمنع الذى لا يؤثر في التكليف، ولا يكون ذلك المنع
إلا بوجهين: أحدهما: الوعيد وما يتصل به. والثانى: الألطاف وإزالة المفسدة وما يتصل بهما، على ما سنبينه.
اعلم أن المكلف لا بد من أن يكون عالما بما كلف على جملة أو تفصيل ليميزه من غيره. وإلا لم يحسن تكليفه، فصار تعريفه ما كلف بمنزلة الإقدام عليه والتمكين منه، في أنه لا بد منه، وإلا قبح التكليف. فإذا ثبت ذلك، وكان تعريفه ما ذكرناه، قد يكون بوجهين: أحدهما: أن يعلمه صلاحا باضطرار حاله.
والثانى: أن يدله عليه. فلا بد من حصول أحد الوجهين في سائر ما كلف، فما حسن الاضطرار فيه فلا بد من أن يضطره تعالى إليه. وما لا يحسن ذلك فيه، أو كان الاستدلال فيه أولى في الحكمة، فلا بد من أن يدل عليه. ولا يجوز أن يكلف فعلا ويخليه من تعريفه حاله من كلا هذين الوجهين. وقد صح أنه تعالى قد عرفنا ما كلفنا بالوجهين جميعا لأنه أعلمنا باضطرار أن الظلم قبيح، وكلفنا الامتناع منه، وأن شكر النعمة واجب، ورد الوديعة كمثل، وكلفنا الإقدام عليها، وعرفنا ما لنا من الفضل بالاختيار، فندبنا إلى فعله.
فأما ما عرفنا بالاستدلال مما لا يتعلق بفعل ما كلفناه، فتفصيله كثير مما ذكرنا جملته، وسائر الشرائع، وما يعلم قبحه وحسنه ووجوبه من جهة العقل والشرع، وتفصيل ذلك يكثر، وما أوردناه من الجملة يكفى فيه. ومحصول الأدلة والبيان مما يمكن المكلف عند التفكر فيه أن يتوصل به إلى المعرفة، بما دخل تحت التكليف، فهذا هو الذى لا بد منه. والزيادة على الأدلة قد يكون الصلاح في أن يفعله تعالى، وقد يستوى بفعله وأن لا يفعل. فمتى كان صلاحا وجب في الحكمة أن يفعله،
على ما بينا من زيادة الهدى، وإذا لم يكن كذلك جاز أن يقتصر بالمكلف على القدر الذى بيناه،