فأما ما عرفنا بالاستدلال مما لا يتعلق بفعل ما كلفناه، فتفصيله كثير مما ذكرنا جملته، وسائر الشرائع، وما يعلم قبحه وحسنه ووجوبه من جهة العقل والشرع، وتفصيل ذلك يكثر، وما أوردناه من الجملة يكفى فيه. ومحصول الأدلة والبيان مما يمكن المكلف عند التفكر فيه أن يتوصل به إلى المعرفة، بما دخل تحت التكليف، فهذا هو الذى لا بد منه. والزيادة على الأدلة قد يكون الصلاح في أن يفعله تعالى، وقد يستوى بفعله وأن لا يفعل. فمتى كان صلاحا وجب في الحكمة أن يفعله،
على ما بينا من زيادة الهدى، وإذا لم يكن كذلك جاز أن يقتصر بالمكلف على القدر الذى بيناه،
895 -مسألة في اللطف [1] :
اعلم أن اللطف هو ما عنده يختار المكلف ما كلفه، ولولاه لكان يخل به فما علم ذلك من حاله وصفناه لطفا، وربما يذكر في جملة اللطف ما يكون المكلف عنده أقرب إلى فعل ما كلف، أو يكون فعل ما كلف أسهل عليه، وأقرب إلى وقوعه منه، ولا يؤثر فيما ذكرناه بين الفعل والكف لأنه إذا كان إنما يختار ما كلف عند [2] أمر ما، ولولاه كان لا يختاره، وجب فعله. وكذلك إن كان لا يكف عن المعاصى إلا عند أمر، ولولاه كان يفعلها، فلا بد من أن يفعله تعالى أو يمكن منه.
وإنما قلنا في اللطف: إنه واجب لا بد منه لأنه تعالى إذا قصد بالتكليف تعريض المكلف للثواب، وعلم أنه لا يتعرض للوصول إليه إلا عند أمر لولاه لكان لا يتعرض، فلو لم يفعله لنقص ذلك الغرض الذى له كلف. كما أن أحدنا لو كان غرضه من زيد إذا دعاه إلى طعامه أن [3] يحضره فيأكل طعامه، وعلم أنه لا يختار ذلك إلا عند اللطف في المسألة، فلو لم يفعله لنقض ذلك الغرض الذى دعاه إلى طعامه، ويحل بإخلاله بذلك محل أن يمنعه من نفس تناول الطعام.
وكذلك لو لم يفعل تعالى اللطف الذى ذكرناه، كان بمنزلة أن لا يمكن العبد مما كلفه من قبح التكليف.
(1) انظر المغنى: 13/ 9. شرح الأصول الخمسة، ص: 779.
(2) فى الأصل: عنده.
(3) فى الأصل: أو.