849 -قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهََا فُجُورَهََا وَتَقْوََاهََا} [8] لا يصح أن يتعلق به، في أنه تعالى خلق فيها الفجور والتقوى، لأن ظاهره يقتضى أنه أعلمها، أو دلها على الفصل بين التقوى والفجور، والطاعة والمعصية لكى يجتنب المعاصى ويقدم على الطاعة. وهو الذى نقوله، ولا يصح إلا على قولنا: إن الإلهام والدلالة إنما يفيدان إذا كان العبد يختار ما يقتضيانه. فأما إذا كان تعالى يخلق فيه التقوى أو الفجور على وجه لا يصح منه خلافه. فكيف يفيد الإلهام والدلالة؟!
850 -وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا} [9] لا يصح أن يتعلق به في أنه تعالى فعل بها ما صارت به زكية لأن المراد بذلك: قد أفلح من زكّى نفسه، وقد ذكر النفس من قبل [1] .
والمراد بذلك لا يخرج من وجهين: أحدهما: أنه أفلح من أقدم على الأمور التى صار بها طاهرا زكيا، وهذا صحيح لا شبهة فيه. أو يراد بذلك:
قد أفلح من مدح نفسه وذكر محاسنها! وهذا مما يقال فيه: كيف يصح هذا وقد نهى الإنسان عن مدح نفسه وتزكيتها؟ والجواب عنه: أن المنهى عنه من ذلك هو إيراد المدح على جهة التفاخر والتطاول على الناس، وإظهار التكبر، والتشبث بذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز. فإذا مدح نفسه ليحكى عن براءة ساحته في المعاصى ويظهر ما يزيل عنه التهمة في الإخلال بمعاصى الله، أو ليعرف حقه، ويؤدى ما يلزم من تعظيمه، أو يعتمد عليه في الأمور التى يستحقها وتليق به، فذلك حسن في الحكمة. وعلى هذا الوجه يحمل مدح الأنبياء والصالحين لأنفسهم في المواقف التى أقدموا على ذلك فيها.
(1) قال تعالى: { [وَنَفْسٍ وَمََا سَوََّاهََا] } الآية: 7.