يبين ذلك أن الداعى منا إلى الله عز وجل متى قصد إلى جاهل به فدعاه وعرّفه طريقة معرفته ومعرفة توحيده وعدله، لا يجوز أن يعد عابثا في دعائه، وان لم يصح من المدعو أن يعرفه جل وعز بنفس دعائه دون أن ينظر ويتدبر، فكذلك القول في كلامه عز وجل، سيما ومن اعتقد في القرآن، قبل أن يعرف الله، أنه كلامه عز وجل على جهة التقليد، وأنه تعالى لا يجوز أن يكذب، كان
ذلك أدعى له إلى النظر، من خطاب الداعى الذى لا يعتقد تعظيم حاله، ولهذه الجملة عوّل الأنبياء عليهم السلام، عند مسألة قومهم لهم عن الله عز وجل، على ذكر أفعاله تعالى من خلق السموات والأرضين وغير ذلك.
فإن قيل: فيجب أن لا يعلم بالقرآن الحلال والحرام إلا على هذا الوجه!
قيل له: كذلك نقول لأنه ما لم يعلم أن المخاطب بالقرآن حكيم لا يجوز أن يكذب في أخباره أو يعمّى أو يأمر بالقبيح أو ينهى عن الحسن، لم يصح أن يعرف به الحلال والحرام، لكن الأحكام يمكن أن تعلم بالقرآن من غير مقدمة، إذا كانت المعرفة بالله عز وجل قد تقدمت، ولا يصح أن يعلم بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [1] ، من غير تقدم العلم بأنه تعالى ليس بجسم، أنه تعالى لا يشبه الأشياء، لما قدمنا من أنه لا يصح أن يعرف الفاعل وحكمته بالفعل الذى يصدر عنه، إذا كان العلم بصحته ووجه دلالته لا بد من أن يرجع فيه إلى حال الفاعل.
وعلى هذا الوجه قلنا: إن المعجزات لما كانت بمنزله الأخبار في أنها لا يمكن أن يعلم أنها صحيحة إلا بعد العلم بحال الفاعل وحكمته لم يمكن أن يستدل بها على النبوات من أجاز [2] على الله عز وجل فعل القبيح، وقلنا يجب أن لا نأمن أنه تعالى أظهرها على [من] يدعو الى الضلال والفساد، ويصد عن الهدى والرشاد!
2 -مسألة: إن سأل سائل فقال: أتقولون إن المحكم من القرآن له مزية على المتشابه فيما يدل عليه أو لا مزية له؟
فإن قلتم: إنهما سواء فذلك خلاف الإجماع لأن الأمة تقول إن المحكم أصل للمتشابه وإن له من الحظ ما ليس للمتشابه، وكتاب الله عز وجل قد نطق
(1) من الآية 11سورة الشورى.
(2) فى الأصل: اختار.