وبين بوضع الموازين بالقسط وبالمحاسبة أنه تعالى لا يفعل إلا العدل لأنه لو جاز أن يفعل الظلم أو يكون ذلك من قبله لكان وصف نفسه بذلك عبثا وسفها!
ويدل ذلك على أنه تعالى لم يخلق الضلال والإيمان لأنه لو فعلهما لكانت المحاسبة راجعة إليه دون العبد.
ويدل ذلك على أنه تعالى لا يجوز أن يعذّب أطفال المشركين من غير ذنب لأنه بين بهذا الكلام أنه لا يفعل بهم إلا ما يستحقون، دون ما يكون ظالما بفعله.
ولا صفة للظلم تعقل إلا وهى حاصلة في تعذيب أطفال المشركين لو فعله تعالى فقول من يقول: إنه تعالى يفعل ذلك ولا يكون ظالما، مناقضة، وهو بمنزلة أن يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه ولا يكون كذبا. ومن بلغ به الأمر إلى هذا المبلغ لم يمكنه إثبات شيء من الحقائق، على وجه.
478 -مسألة: قالوا: ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يجعل المؤمن مؤمنا، فقال: {وَجَعَلْنََاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنََا} [73] .
والجواب عن ذلك: أنا قد بينا أن إضافة الشيء الذى من حقه أن يكون فعلا لفاعله إلى الله تعالى، يقتضى أنه ليس المراد به أنه فعله، كما أن قول القائل في صلاح ابنه وعلمه، إنى جعلته عالما صالحا، يقتضى ذلك، وقد بينا أن الكلام يتغير ظاهره بالقرائن [1] ، وبينا في ذلك ما كفى [2] فلا يصح تعلقهم بذلك إذا [3] كان إنما يصير كذلك بأمور من قبله.
(1) د: بالقران.
(2) انظر الفقرتين: 52، 53.
(3) ف: فإذا.