وإن كان صلّى الله عليه وسلم ابتدأ الرمى.
ثم يقال للقوم: إن كان تعالى قتل ورمى فيجب أن لا يكون للمؤمنين فيه صنع ولا يستحقون المدح، وكان لا يصح التمدح بقوله تعالى: {لََا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقََاتَلَ} [1] لأن ذلك القتل والقتال من الله تعالى لا منهم. وهذا ظاهر الفساد.
وقوله تعالى: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلََاءً حَسَنًا} [2] يدل على أن القتل والرمى فعلهم وأنه تعالى أضافهما إلى نفسه من الوجوه التى بيناها، فكأنه بين أنه لفضل ألطافه يبتلى المؤمنين وينعم عليهم ويحسن لأن كل ذلك من نعمه وأفضاله، ولو كان الأمر كما قالوا لم يصح أن يوصفوا بأن ما فعلوه من البلاء الحسن، وكل ذلك بين.
278 -مسألة: قالوا: ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه قد منع الكفار من الإيمان فقال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللََّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لََا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ عَلِمَ اللََّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [2322] .
والجواب عن ذلك: أنا قد بينا أن الكلام لو كان على ظاهره لوجب أن يكون شر الدواب المجانين والبهائم لأنهم يختصون بهذه الصفة، خصوصا إذا كانوا صما بكما، وهذا مما لا يقول به أحد!
وبينا من قبل أنه تعالى يصف الكفار بذلك تشبيها بمن هذا حاله، من
(1) سورة الحديد 10.
(2) من تتمة الآية 170.