وإنما يصح ذلك بأن يكون العبد مختارا قادرا على الفعل والترك، فيعلم بأن كون النبى عليه السلام غليظ القلب داعية إلى مخالفته، وخلاف ذلك يحدوه على القبول منه والتمسك بطاعته.
137 -فأما قوله تعالى من بعد: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللََّهُ فَلََا غََالِبَ لَكُمْ}
[160] فقد بينا أن النصرة من الله تكون بوجوه [1] فلا يصح أن يتعلقوا به في أن نفس الغلبة من فعله تعالى. وبيّن أن نصرته متى حصلت لم يجز أن يكون لهم غالب لأنه إنما ينصر لكى يغلبوا، فلو جوزنا، والحال هذه، أن يغلبوا لأدّى إلى ممانعته تعالى. فأما إذا لم يرد أن ينصرهم لضرب من المصلحة فقد يجوز أن يغلبوا، وقد بينا أنه لا يجوز أن يكون خاذلا لهم من حيث لم ينصرهم.
وشيخنا أبو على رحمه الله يقول في النصرة: إنها لا تكون إلا ثوابا فلا تفعل إلا بالمؤمنين، والخذلان لا يكون إلا عقابا فلا يفعل إلا بالكفار.
وأبو هاشم رحمه الله يقول في الخذلان بمثل قوله، فأما النصرة فقد تكون عنده بمنزلة الثواب، وقد تكون لطفا، وتقصى القول في ذلك يطول.
138 -وقوله تعالى من قبل: {لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى ََ مَضََاجِعِهِمْ} ظاهره إنما يدل على أن القتل كتب عليهم، ولا يمنع ذلك من كون القتل فعلا للقاتل، كما إذا أخبر أحدنا عن قتله وكتب ذلك لا يؤثر في كونه قاتلا.
(1) انظر الفقرة 98.