خاصة عند ما حقق العرب الانتصار على أضخم دولتين كانتا في ذلك العصر وهما فارس والروم. وصارت النزعة للدم العربي ككل والأمة والجنس العربي بشكل عام مجال فخر للشعراء [1] :
أنا من النفر الذين جيادهم ... طلعت على عاد بريح صرصر
وسلبن تاجي ملك قيصر بالقنا ... واجتزن باب الدرب لابن الأصر
وظهرت هذه النزعة واضحة لدى سكان الشام الجنوبي وسكان جنوب غرب العراق حيث كانوا عربا منتصرة وبحكم انتسابهم إلى جذور عربية وقفوا إلى جانب أخوانهم عرب الجزيرة الفاتحين وانضموا اليهم بدافع الشعور بالعصبية القومية، فقد عبر نصارى تغلب عن موقفهم هذا بقولهم (نقاتل مع قومنا) [2] . وكذلك استقبلت القبائل العربية في جنوب الشام جيوش الفاتحين بالترحاب.
لكن هذه النزعة القومية التي سيطرت على العربي لم تزل من نفسه تعصبه لقبيلته ونسبه ولم تحل محلها، وإنما تلازمت هاتان النزعتان في ذاته لدرجة أن التنظيم الإداري الحربي في عصر الفتوح كان ملزما بمراعاة الاعتبارات القبلية لأنه لم يكن من السهل الاستغناء عنها، فخططت الأمصار الجديدة على أساس قبلي أيضا إذ قيل أن سعد بن أبي وقاص حين اختط الكوفة أسهم لنزار وأهل اليمن فخرج سهم أهل اليمن في الجانب الشرقي وسهم نزار في الجانب الغربي [3] .
وهكذا نجد أن حركة الفتح جعلت قبائل العرب تستقر جنبا إلى جنب في الأمصار والحواضر وبذلك احتكت القبائل بعضها ببعض وأدى هذا الاحتكاك إلى إثارة الروح القبلية والعصبيات بكل أشكالها وخاصة النسبية. فأخذت القبائل تتجمع في الأمصار على شكل كتل قبلية ضخمة حلت محل الوحدات القبلية في الجاهلية.
وحمل الحرص على توازن القوى في هذه الأمصار بطون كل قبيلة على الانضواء تحت لواء قبلي واحد سواء عن طريق الحلف أو رابطة النسب، فقبائل ضبة والرباب ومزينة مثلا أصبحت جزا من كتلة تميم وازداد اتساع نطاق هذا التجمع القبلي بظهور
(1) ضحى الإسلام أحمد أمين 1/ 17.
(2) تاريخ الرسل والملوك الطبري 4/ 73.
(3) فتوح البلدان البلاذري علق عليه رضوان محمد رضوان نشر دار الكتب العلمية بيروت ص 275.