فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 459

أنفسهم وعلى لسان الاخرين نريد ان نعرف إلى أي مدى استطاع الإسلام أن يمحو فيه النزعة القبلية والعصبية من نفوس العرب، خاصة وأنها تجري بأجسامهم مجرى الدماء في العروق وأكثر؟؟.

فهل كان من السهولة القضاء عليها وهي بمكانة الروح من جسد العربي؟

في واقع الأمر، لم يكن القضاء على النزعة القبلية في الإسلام نهائيا، بل لم يستطع الاستغناء عن التنظيم القبلي ونظمه الإدارية والحربية، فكان تخطيط الأمصار وتعبئة الجيوش قائمين على هذا الأساس، لذلك ظل النظام القبلي قائما في العصر الإسلامي لكن ضمن نطاق نظام الدولة، وعندما دمج الإسلام بين القبائل وجعل منها أمة إسلامية واحدة تم هذا الاندماج عن طريق القبيلة، فكأن القبائل دخلت الأمة بتنظيمها القبلي القديم، فقد ألقي على كاهل القبائل عبء دفع الديات وفديات الأسرى كما كان متبعا في العصر الجاهلي، وكذلك بقيت رابطة الولاء وحق الإجارة فلم يكن من السهل أبدا انتزاع هذه الجذور القبلية من نفوس العرب ورغم كل هذه التعاليم التي نادى بها الدين الجديد وعمل على تحقيقها في العدالة والمساواة لم تمت النزعة العصبية القائمة على رابطة الدم الواحد وإنما ظلت كالجمر المختبىء تحت الرماد يتوقد كلما كانت ريح الظروف مواتية لذلك، ويلتهم كل شيء حوله، ويمكن ان نتتبع اثار هذه النزعة القائمة على التعصب للنسب والتفاخر على أساسه من خلال الأحداث الهامة التي مرت بها الأمة العربية بعد الإسلام، حيث كان له الدور البارز والفعال فيها، وأول ما تجلى ذلك في النزاع الذي شب بين المهاجرين والأنصار حول مشكلة من أحق بخلافة الرسول بعد وفاته وما دار من حوار في اجتماع سقيفة بني ساعدة بين الفريقين يثبت ذلك [1] ، وكذلك وظهرت هذه النزعة أيضا في الصراع بين بطون قريش نفسها على الخلافة.

وبرزت أيضا في حروب الردة أيام الخليفة أبي بكر الصديق إذ كان من أسبابها أن قبائل العرب عدت دفع الزكاة للخليفة ضريبة عليهم وفدية لهم وكأن قبيلة تتسلط على الاخرى وكانت النزعة النسبية والتعصب للقرابة أيضا من أهم العوامل التي أشعلت نار الفتنة أيام الخليفة عثمان بن عفان فقد اتهم بتقريبه أهله وعصبته ومنحهم المناصب على

(1) لمزيد من الاطلاع راجع الكامل في التاريخ ابن الأثير نشر دار صادر بيروت 1982، 2/ 325.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت