فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 459

فقد حارب الإسلام النزعات العصبية والروح القبلية لأنها تحول دون توحد القبائل وجمع شملها في أمة واحدة، وحارب النزعات الجاهلية المتصلة بها ووصم الداعين إليها بالكفر إذ قال عز وجل {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجََاهِلِيَّةِ} [1] .

وأجاب الرسول عندما سئل عن العصبية: (أن تعين قومك على الظلم) [2] .

ونهى الإسلام كذلك عن المفاضلة بين الناس على أساس الأنساب والأجناس وجعل المفاضلة بالتقوى، قال الله تعالى: {جَعَلْنََاكُمْ شُعُوبًا وَقَبََائِلَ لِتَعََارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللََّهِ أَتْقََاكُمْ} [3] . وعلى ذلك حض الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال في خطبة حجة الوداع:

«يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لادم وآدم من تراب ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى» [4] .

(ولقد كان خلف هذا الموقف المتقدم والراقي الذي اتخذه الإسلام عوامل وأسبابا، فهو دين ذو صبغة إنسانية وعالمية، يتخطى بعقائده دوائر الألوان والأجناس والقوميات رغم أن قياد نشر دعوته قد عقد للعرب وقد اعتنقه عبيد وموال أصبحوا عربا باللغة والفكر والتكوين النفسي، دون أن يكونوا عربا(بالعرق والجنس) ولذلك كان تخطي الإسلام لمعيار العرق في الدعوة للوحدة القومية، وتزكيته للمعيار الحضاري وتقديمه (العروبة) كرباط قومي ذي مضمون إنساني، يستبعد (العرق) بأفقه الضيق ويستشرق أرقى العلاقات وأوسع الافاق، فعندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض الصحابة يريد أن ينتقص من قدر بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي لأنهم ليسوا عربا (بالعرق والجنس) كانت غضبته شديدة ضد هذه العصبية، التي هي من بقايا الجاهلية، وكانت كلماته التي وضعت في الواقع والفكر العربي والإسلامي أسس المعيار الحضاري والإنساني للعروبة والقومية العربية حيث قال «أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد وليست العربية بأحدكم من أب أو أم ولكنها «اللسان» فمن تكلم العربية فهو عربي؟» فكانت كلماته هذه شهادة ميلاد المضمون الحضاري غير العرقي للعروبة والقومية العربية) [5] .

(1) سورة الفتح اية (26) .

(2) تيسير الوصول 4/ 17أخرجه أبو داود.

(3) سورة الحجرات اية 13.

(4) البيان والتبيين عمرو بن بحر الجاحظ تحقيق فوزي عطوي نشر دار صعب بيروت 2/ 33.

(5) التراث في ضوء العقل. محمد عمارة نشر مؤسسة دار الوحدة بيروت ص 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت