على توافر عنصر التسلسل والترابط وتعيين نقاط البدء في جداولهم النسبية وقد استقى النسابون مادتهم في ذلك من التوراة وأفواه أهل الكتاب وقد أشاروا إلى ذلك [1] ، إلا أننا لا نوغل في الشك وندعي أن الأنساب في جملتها موضوعة مختلقة، فمما لا شك فيه أن النسابين القدماء استقوا مادة جداولهم ما بعد عدنان وقحطان من نسابي القبائل الذين حافظوا هذه الأنساب كابرا عن كابر، ومعروف منذ القديم اهتمام العرب بحفظ أنسابهم والحرص عليها ولا تزال هذه الظاهرة معروفة إلى اليوم، ولقد بينا سابقا أهمية ومكانة هذا العلم بالنسبة للعربي والأسباب التي دفعت إلى تزايد الاهتمام بالنسب عبر الأحداث والأزمان.
ولو لم يكن علما أصيلا عند العرب لما استمر بقاؤه عندهم إلى يومنا هذا فالحاجة الاجتماعية والاقتصادية والتطورات المستمرة أوجدت ضرورة الحفاظ عليه وما سجلات (قيد النفوس) في دوائر السجل المدني اليوم إلا صورة عن سجلات دواوين نسب الأمس.
وأخيرا أنتهي إلى القول أن هذا العلم الشامخ في عالم العروبة والذي شكل أحد روافد حضارتنا الخالدة وأحد ينابيع تراثنا الزاخر يستحق التحليل والتحقيق والدراسة ولكن يجب ان يكون ذلك على يدي أبنائه أنفسهم فهم الأجدر بإعطائه حقه وإبراز قيمته، إنه منهم ولهم فبأصالته يحيا العربي وبها يحق له أن يفاخر ومن أجل عروبته وقومه يجب أن يكون ثائرا.
(1) النديم أشار إلى أن ابن إسحاق كان يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم أهل العلم الأول، انظر أيضا في جمهرة ابن حزم ص 7، المعارف لابن قتيبة ص 7، الاشتقاق لابن دريد ص (5) .