«دللافيدا» عندما تحدث عن أصل نزار في دائرة المعارف الإسلامية، فهو يشك أن يكون لقبيلة نزار وجود حقيقي تاريخي، ورأى أن ذلك اختراع خيالي اختلق لأهواء سياسية وأعلن شكه الصريح في هذه الأنساب مرة أخرى في فصل عقده للحديث عن بلاد العرب قبل الإسلام. ورأى المستشرق «بلاشير» أن الضرورات الإدارية والأحداث السياسية وهيبة السلطان منذ خلافة عمر بن الخطاب وفي عصر بني أمية قد اقتضت تنظيم العلائق بين القبائل العربية فوجدت حينئذ مهارة النسابين مجالا واسعا للابتكار واستطاعوا أن يصلوا بواسطة الجدود بين قبائل ليس بينها من الروابط سوى المجاورة، وأن يفندوا أصل العرب إلى أصلين اتباعا لأهوائهم السياسية [1] .
وجواد علي له وجهة نظر في هذا الموضوع، إذ يرى أن تقسيم العرب إلى عدنانية وقحطانية لم يعرف إلا بعد الإسلام أما في العصر الجاهلي فلا ذكر لها ويبرهن على رأيه هذا بحجج معقولة ويرد هذا التقسيم إلى عوامل سياسية وجدت في تلك العصور مؤيدا بذلك وجهة نظر بعض المستشرقين وهو رأي لا يخلو من الصحة إذ قال: «الحق أن ما نسميه قحطانية وعدنانية إنما هو صفحة من صفحات النزاع الحزبي عند العرب في الإسلام شاء أصحابه ومثيروه إرجاعه إلى الماضي البعيد ووضع تأريخ قديم له. فجعلوا له أصولا زعموا أنها ترجع إلى ما قبل الإسلام بكثير ورووا في ذلك شعرا لا يخرج في نظرنا عن هذا الشعر الذي يحفظه الرواة على لسان ادم وهابيل وقابيل والجن. وفي هذا الصراع القحطاني العدناني العنيف شرع في تدوين الأنساب وتثبيتها في القراطيس والكتب، فكان لهذا الصراع ولوضع القبائل وتكتلاتها في هذا الوقت أثر خطير في تثبيت أنساب القبائل وتسجيلها ليس في هذا العهد فقط بل في تثبيت أنساب قبائل الجاهلية وتسجيلها أيضا. إذ سجلت هذه الأنساب جاهلية وإسلامية على الرأي السائد في النسب يوم شرع في التسجيل والتدوين أي في أوج هذه العصبية العنيفة التي عمت الناس في صدر الإسلام. ومن هنا كان لا بد لفهم الفكرة القحطانية العدنانية من الإلمام بنزاع قحطان وعدنان في الإسلام.
والذين قاموا بتسجيل الأنساب وتدوينها وتثبيتها في الكتب كانوا هم أنفسهم من أصحاب العصبية لنزار أو لليمن، ومن المتأثرين بالأحوال السياسية لذلك العهد» [2] .
(1) العصبية القبلية. إحسان النص ص 2322.
(2) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. جواد علي 1/ 493.