الاهتمام بهذا العلم والتوسع في دراسته، وقد انعكست كل هذه الأمور على ما في كتابات المؤلفين وإنتاجهم فنلاحظ مثلا شيئا من الميل للعلويين لدى علي بن محمد المدائني [1] ، وميلا للشعوبية عند أبي عبيدة اللغوي [2] الذي شارك في كشف المثالب العربية، وميلا للتعصب للعرب عند خالد بن طليق والأصمعي والجهمي [3] ، هكذا وقد تنوعت كتب المؤلفين في مواضيعها بين المفاخر والماثر والفضائل وبين المثالب والأخبار القبائل.
وفي مطلع القرن الثالث الهجري وصلت الأنساب إلى مرحلة أدت إلى ظهور النسابين الكبار الذين رسموا في الكتب التي ألفوها إطار دراسة شملت مختلف جوانب هذا العلم إذ تطور اتجاه دراسة الأنساب إلى اتجاه تاريخي ضمن إطار النسب كما في كتاب (نسب قريش) للزبيري المتوفي 236هـ، إلا أن هشام بن الكلبي قبله قد أوضح خطة الكتابة في هذا العلم وأصوله وقواعده وكل النسابين الذين جاؤوا بعده هم عيال عليه قد ساروا على منهجه نفسه، وكان هشام قد بدأ بكتابة أنساب الأنبياء وقبائل العرب الشمالية والجنوبية بفروعها قبل الإسلام وبعده وبذلك يكون قد وضع سجلات نسب لأمة بكاملها. واتجه نحو الاستفادة من المصادر المكتوبة القديمة والمتداولة في عصره إلى جانب الروايات الشفوية، وبذلك يكون هشام ووالده محمد بن السائب الكلبي مدرسة متخصصة في النسب قائمة بذاتها أرست قواعد هذا العلم وأصوله وأثرت في أجيال النسابين الذين جاؤوا في ما بعد، فساروا على نهجها وقواعدها.
ومما سبق ذكره يمكن أن نستنتج عدة ملاحظات هامة عن واقع المدرسة العراقية أولها: أن نوعا من النظرة الكلية كانت تحكم رجال هذه المدرسة، فقد تجاوز النسابون في اهتمامهم القبيلة الواحدة إلى مجموع القبائل [4] ، وأصبح محور اهتمام الإخباريين والرواة والنسابين، أخبار وأنساب الأمة لا القبيلة، وخلق ذلك نوعا من الشعور بالأمة
(1) له كتاب فضائل محمد بن الحنفية، كتاب فضائل جعفر بن أبي طالب، كتاب فضائل عبد الله بن جعفر / الفهرست ص 114.
(2) له كتاب مثالب باهلة وكتاب أدعياء العرب المصدر السابق ص 59.
(3) لخالد بن طليق كتاب الماثر ذكره صاحب الفهرست ص 107، والأصمعي له كتاب النسب / المصدر السابق ص 61، والجهمي له كتاب الانتصار في الرد على الشعوبية ذكره النديم ص 124.
(4) التاريخ العربي والمؤرخون 1/ 171.