فإذا أخذه سلك الوزن، وعقدة [1] القافية تألفت أشتاته، وازدوجت فرائده وبناته، واتخذه الّلابس جمالا، والمدّخر مالا، فصار قرطة الآذان، وقلائد الأعناق، وأمانىّ النفوس، وأكاليل الرؤوس، يقلّب بالألسن، ويخبأ في القلوب، مصونا باللب، ممنوعا من السرقة والغصب.
وقد اجتمع الناس على أن المنثور في كلامهم أكثر، وأقل جيدا محفوظا، / وأن الشعر أقل، وأكثر جيّدا محفوظا لأن في أدناه من زينة الوزن والقافية ما يقارب به جيد المنثور.
وكان [2] الكلام كله منثورا فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفرسانها الأنجاد [3] ، وسمحائها الأجواد لتهز أنفسها إلى الكرم، وتدل أبناءها / على حسن الشّيم [4] ، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعرا لأنهم قد [5] شعروا به، أى فطنوا.
وقيل [6] : ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره.
ولعل بعض الكتّاب المنتصرين للنثر، الطاعنين على الشعر، يحتج بأن القرآن كلام الله تعالى منثور، وأن النبىّ صلى الله عليه وسلّم غير شاعر لقول [7] الله عز وجل:
(1) فى المطبوعتين: «وعقد» . والعقدة: قلادة. انظر اللسان فى [عقد] .
(2) انظر كلاما جيدا ومشابها لهذا في تأويل مشكل القرآن 17و 18.
(3) فى م: «الأمجاد» .
(4) الشيم: جمع شيمة: وهى الخلق والطبيعة. انظر اللسان فى [شيم] .
(5) سقطت «قد» من المطبوعتين.
(6) هذا جزء من كلام لعبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشى، وقد أورده الجاحظ في البيان والتبيين 1/ 287، وفيه: «وما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره» .
(7) فى ف والمطبوعتين: «لقول الله تعالى» .