وكان [1] أبو عمرو بن العلاء لا يرى أن لأحد مثل هذه / الاستعارة [2] ، ويقول: ألا ترى كيف صيّر له ملاءة، ولا ملاءة له، وإنما استعار له هذه اللفظة؟!!
وبعض المتعقبين يرى ما كان من نوع بيت ذى الرمة ناقص الاستعارة إذ كان محمولا على التشبيه، ويفضّل عليه ما كان من نوع بيت لبيد.
وهذا عندى خطأ لأنهم إنما يستحسنون الاستعارة القريبة، وعلى ذلك مضى جلّة العلماء، وبه أتت النصوص عنهم.
وإذا استعير للشئ ما يقرب منه، ويليق به، كان أولى مما ليس منه في شئ، ولو كان البعيد أحسن استعارة من القريب لما استحسنوا قول أبى نواس [3] :
[مجزوء الرمل]
/ بحّ صوت المال ممّا ... منك يشكو ويصيح
فأى شئ أبعد استعارة من صوت المال؟! فكيف يبحّ [4] من الشكوى والصياح مع ما أن له صوتا حين يوزن أو يوضع؟!، ولم يرده أبو نواس فيما أقدّر لأن معناه لا يتركب على لفظه إلا بعيدا.
وكذلك قول بشار [5] : [الطويل]
وجذّت رقاب الوصل أسياف هجرها ... وقدّت لرجل البين نعلين من خدّى
فما أهجن «رجل البين» ، وأقبح استعارتها، ولو كانت الفصاحة بأسرها فيها!!، وكذلك «رقاب الوصل» !!.
ولكن انظر التعليق عليه في هامشه، وفى مجالس العلماء وحلية المحاضرة وزهر الآداب والمنصف:
«حتى ذوى العود في الثرى» ، وفيهم أن كلا من الفرزدق وابن المعتز قال: إن العود لا يذوى في الثرى، وإنما الصواب «حتى ذوى العود والثرى» ، وجاء مثل هذا في سر الفصاحة وفى هامش الديوان.
(1) انظر هذا في حلية المحاضرة 1/ 136مع اختلاف يسير.
(2) فى المطبوعتين والمغربيتين: «مثل هذه العبارة» وليست بشىء.
(3) ديوان أبى نواس 434وردّ هذا البيت المرزبانى في الموشح 414
(4) فى المطبوعتين والمغربيتين: «فكيف حتى بحّ» .
(5) ديوان بشار 4/ 59ط الشركة التونسية، وذلك في الشعر المنسوب إليه، وفيه: «وجدّت» بالدال المهملة، ويبدو أنه تصحيف مطبعى، والبيت ليس في طبعة لجنة التأليف.