وقالوا: كان جرير إذا أراد أن يؤبّد [1] قصيدة صنعها ليلا، يشعل سراجه، ويعتزل أهله [2] ، قيل: وربما علا السطح وحده، فاضطجع، وغطّى رأسه رغبة في الخلوة بنفسه، فحكى [3] أنه صنع ذلك في قصيدته التى أخزى بها بنى نمير، وتقدم ذكرها [4] .
وروى أن الفرزدق كان إذا صعبت عليه صنعة الشعر ركب ناقته، وطاف [5] منفردا وحده في شعاب الجبال، وبطون الأودية، والأماكن الخربة / الخالية، فيعطيه الكلام قيادة، حكى ذلك عن نفسه في قصيدته الفائية [6] :
[الطويل]
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف
وذلك [7] أن فتى من الأنصار بحضرة [8] كثيّر وغيره فاخره [9] بأبيات حسان بن ثابت [10] : [الطويل]
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وأنظره [11] سنة، فمضى حنقا، وطالت ليلته، ولم يصنع شيئا، فلما كان قرب الصباح أتى جبلا بالمدينة يقال له: «ذباب» [12] ، فنادى: أخاكم،
(1) يؤبد قصيدة: أى يجعلها مخلدة أبد الدهر، وانظر الهامش 5ص 331
(2) سقطت كلمة «أهله» من المطبوعتين.
(3) فى المطبوعتين: «يحكى» .
(4) انظر ذلك في باب من رفعه الشعر ومن وضعه ص 61
(5) فى ف: «وطاف وحده منفردا» ، وفى المطبوعتين: «طاف خاليا منفردا وحده» .
(6) ديوان الفرزدق 2/ 551، والمذكور صدر بيت، وعجزه: «وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف» وعزف عن الشىء: ابتعد عنه، ولم تكن عنده رغبة فيه. وانظر ما قيل عنه في حلية المحاضرة 1/ 333
(7) انظر هذا الخبر في الأغانى 21/ 370، وفى ف والمطبوعتين فقط: «وذكر» .
(8) فى ف: «يحضره كثيرا وغيره» ، وفى المطبوعتين فقط: «أو غيره» .
(9) فى ص وف: «فاخر» .
(10) ديوان حسان 131
(11) فى المطبوعتين والمغربيتين: «فأنظره» .
(12) فى الأغانى: «ريّانا» والريان: أطم من آطام المدينة. وذباب بضم الذال وكسرها:
جبل بالمدينة. انظر معجم البلدان واللسان. وفى اللسان: وريان: اسم جبل في بلاد بنى عامر.