فكل ما لم أسنده إلى رجل معروف باسمه، ولا أحلت فيه على كتاب بعينه فهو من جنسه، إلا أن يكون متداولا بين العلماء، لا يختص به واحد منهم دون الآخر، وربما نحلته أحد العرب، وبعض أهل الأدب تستّرا بينهم، ووقوعا دونهم، بعد أن قرنت كل شكل بشكله، ورددت كل فرع إلى أصله، وبينت للناشىء المبتدئ وجه الصواب فيه، وكشفت عنه لبس الارتياب به».
من هذا القول لابن رشيق حددت منهجى في تحقيق الكتاب، فقد صممت على تحقيق النص من خلال المخطوط مع المطبوع، وأن أرجع كل نص فيه إلى مصدره وصاحبه، وقمت بتوضيح أماكن الآيات من سور القرآن، ولم أكتف بذلك بل أشرت إلى الكتب التى استشهدت بالآيات في ذات المجال الذى ذكرت فيه في العمدة، ثم ذكرت تخريج الحديث، وذكرت الكتب التى استشهدت بالأحاديث في الموضوع نفسه، فجعلت هناك ربطا بين العمدة وبين الكتب التى كانت من مصادر ابن رشيق، وإن لم يذكر ذلك، وفعلت شيئا جديدا بالنسبة لأبيات الشعر المستشهد بها، فلم أكتف بذكر أن يكون البيت في ديوان صاحبه صفحة كذا كما يفعل الجميع، ولكننى تتبعت كتب النقد التى تحدثت عن البيت، سواء كان الحديث مدحا أو ذما، وسيلاحظ القارئ الفاضل في بعض الأحيان أننى أذكر في نهاية تخريج بعض الأبيات قولى: وقد عثرت على الديوان بآخرة فوجدت البيت فيه، أو قولى: والبيت في ديوانه. والسر في ذلك هو أن بعض الدواوين في أول عملى في الكتاب لم تكن موجودة لدىّ، فقمت بتخريج الأبيات من مصادرها، ولما ذهبت إلى الرياض وجدت الكثير من الدواوين، فلم أحذف التخريج الذى تعبت فيه كثيرا، وبخلت بضياعه ومن هنا تكون الفائدة للقارئ الفاضل أن يعرف الأماكن التى تحدثت عن البيت.
لكن الشىء الأصعب جدا هو تخريج الأقوال النثرية من مصادرها، وبخاصة على حسب قول ابن رشيق إذا لم يذكر القائل، أو حتى لم يذكر أن هذا القول النثرى من قول قائل، وسأضرب لذلك مثلا بما جاء في ص 889: «كانت قيس تفتخر على تميم لأن شعراء تميم تضرب المثل بقبائل قيس ورجالها، فأقامت تميم دهرا لا ترفع رؤوسها» فهذا القول بهذه الصورة يوحى بأن القول من تأليف ابن رشيق، لكنه في الحقيقة من قول الجاحظ في الحيوان 5/ 173، وهذا يكون في ذهنى من قراءتى السابقة قديما في الحيوان، وهناك مثل آخر يقول ابن رشيق في ص 1128: «وغناء العرب قديما على ثلاثة أوجه: النصب والسناد والهزج، فأما النصب فغناء الركبان والفتيان»
فالقول بهذه الصورة يوحى بأنه من تأليف ابن رشيق، لكننى عثرت عليه في العقد الفريد 6/ 27وغير ذلك كثير مما سيراه القارىء الفاضل في الهوامش.