وكان - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر الأواخر من رمضان، ويجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، واعتكف نساؤه معه ومن بعده، وكان يدخل المعتكف إذا صلى الغداة- الفجر- واستأذنته عائشة في أن تعتكف فأذن لها، فضربت فيه قبة- خباء أو خيمة- فسمعت حفصة فضربت قبة، وسمعت زينب بها فضربت قبة أخرى، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغداة أبصر أربع قباب، فقال:"ما هذا؟"فأخبر خبرهن، فقال:"ما حملهن على هذا البر، انزعوهن فلا أراها"، فنزعت.
وهذا دليل على أن العمل ينبغي أن يبتغي به وجه الله، ولا يُفعل على وجه التقليد للغير، أو مجرد مصاحبته دون قصد البر والقربة، وكان يخرج من المعتكف لقضاء الحاجة.
وكان يحرص على إدراك ليلة القدر ويتحراها ويأمر بتحريها في العشر الأواخر، وربما كان اعتكافه لهذا الغرض، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الوسطى من رمضان فاعتكف عامًا حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج في صبحها من اعتكافه، قال:"من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر".
قال أبو سعيد الخدري: فأمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، فأبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين. {متفق عليه}
وربما أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في اعتكاف ليلة فقد جاءه رجل، فقال: إني أكون بباديتي، وإني بحمد الله أصلي بهم، فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها إلى المسجد فأصليها فيه، فقال:"انزل ليلة ثلاث وعشرين فصلها فيه فإن أحببت أن تستتم آخر الشهر فافعل، وإن أحببت فكف". رواه مسلم.