وأما قدره ففي ليلة القدر، والتي هي خير من ألف شهر، وأما اعتكافه فإنه في العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل، حيث تلتف الملائكة المكرمون حول التائبين العابدين الحامدين السائحين الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله، إنهم أوتاد المساجد، جلساؤهم الملائكة، وإن غابوا افتقدوهم، فإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في شدة دعوا الله لهم، فطوبى للمخلصين، إن مصابيح الهداية تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء.
عباد الله، إن كثيرًا منا لم يحترموا هذا الشهر الكريم، ولم يقدروه حق قدره، كثير منا يمضي نهاره بالنوم والكسل والغفلة عن ذكر الله وعن تلاوة القرآن، ويذهب ليله في الشهوات والملاهي والاعتكاف على موائد القمار والملاهي والإعراض عن طاعة الله، فهل نحن آمنون من مكر الله وعقوبته؟ هل نحن مخلدون في هذه الدنيا؟
إن المنايا كل يوم تخترم النفوس والآجال، كل لحظة تقربنا إلى دار الجزاء والنكال، كم ارتحل أقوام من قصورهم الشاقة ولذاتهم المتكاثرة وبهجتهم الوافرة ثم صاروا إلى قبور موحشة ولحود مظلمة، لم يجدوا إلا عملهم الصالح ولم يغنِ عنهم ما كانوا يجمعون، كم تناولوا الحرام وأكثروا من الزلل وارتكاب الآثام، كم وعِظوا بفصيح الكلام وكأنهم لا يسمعون، ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الاْمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3] .
اللهم أنقذنا من سِنة الغفلة ووفقنا للتزود ليوم النقلة، اللهم ارحم غربتنا في القبور، وأمّن روعاتنا يوم البعث والنشور.