وإذا كان الإنسان حريصًا أن يستعدّ لأمور دنياه أفلا يستعدّ المسلم للطاعة ويتهيأ للعبادة؟! ولو أننا تذكّرنا ما كان يقال عن أسلافنا وأنهم كانوا يستقبلون رمضان قبل مجيئه بستة أشهر، لو تذكرنا هذا لعرفنا لماذا كانوا يجدون لرمضان طعمًا لا يجده كثير منا.
أيها الإخوة، إنّ الناس في استقبال هذا الشهر العظيم على ثلاثة أصناف:
فمنهم من هو إليه بالأشواق، يعدّ الأيام والساعات شوقًا ورغبة إلى لقاء رمضان، الشهر الذي أحبّه وأنِس به، ولسان حاله يقول:
مرحبًا أهلًا وسهلًا بالصيام ... يا حبيبا زارنا فِي كل عام
قد لقيناك بِحب مفعم ... كلّ حب في سوى المولى حرام
إن بالقلب اشتياقًا كاللظى ... وبعيني أدمع الحب سجام
وهذا رسول الله كان إذا دخل رجب يقول: (( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان ) ).
ومن الناس صنف لا فرق عندهم بين رمضان وغيره، فهم يستقبلونه بقلب بارد ونفس فاترة، لا ترى لهذا الشهر ميزة عن غيره إلا أنها تمتنع فيه عن الطعام والشراب، فهم يصبحون فيه ويمسون كما يصبحون ويمسون في غيره، لا تتحرك قلوبهم شوقًا ولا تخفق حبًا، ولا يشعرون أن عليهم في هذا الشهر أن يجدّوا أكثر مما سواه.
وصنف من الناس ضاقت نفوسهم بهذا الشهر العظيم، ورأوا فيه حبسًا عن المتَع والشهوات، فضاقوا به وتمنّوا أن لم يكن قد حلّ، لا يعرفون من رمضان إلا أنه وقت السهر في الليل على اللهو والغفلة، ووقت النوم في النهار، فتجده معظم نهاره نائمًا، فينام حتى عن الصلاة المفروضة.
وقد روت لنا كتب الأدب خبر واحد من هؤلاء، أدركه شهر رمضان فضاق به ذرعًا فجعل يقول:
أتانِي شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرًا بعده آخِرَ الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقوة ... على الشهر لاستعديت قومي على الشهر
فابتلاه الله عز وجل بمرض الصرع، فصار يصرع في كل رمضان.
فتأمل حالك أيها الأخ المسلم، وانظر من أي الأصناف أنت.