في الصيام ـ عباد الله ـ تحقيقٌ للتقوى، وتربية على حسن الاستجابة لأوامر الله، وتعويد على الصبر والمجاهدة. وفي الصيام ـ عباد الله ـ حث على الرحمة ودعوة ٌإلى المواساة، وقد قيل ليوسف عليه السلام: أتجوع وأنت على خزائن الأرض؟! فقال: إني أخاف أن أشبع فأنسى الجائع. كيف لا ـ عباد الله ـ وشهر رمضان شهر الجود والعطاء والصدقة؟!
الصوم ـ عباد الله ـ فريضة من فرائض الإسلام، وحصنٌ حصينٌ من الشهوات وجُنّةٌ من النار، سلك الناس معه مسالك شتى وطرقًا متفرقةً، لا تجتمع أبدًا، فمن الناس من ينظر إلى رمضان على أنه حرمانٌ من اللذات والشهوات، يصوم عن الطعام والشراب على مضضٍ، وربما لا يتورع عن غيبةٍ ولا يتنزه عن نميمةٍ، وجهُه مُحمَر، وصدره ضيق، قد سَئِمَ ذكرَ رمضان، فهو أثقل الشهور عليه، يكابد فيه العناء من الجوع والمشقة من العطش، لا يَرى في رمضان إلا ِوثاقًا مشدودًا أمام رغباته وشهواته.
ومن الناس ـ عباد الله ـ من ينظر إلى رمضانَ على أنه موسمٌ للبطون، ومضمارٌ تتنافس فيه الموائدُ الزاخرة بصنوف الأطعمة وألوان الأشربة، فتراهم قبل دخول هلال رمضان يفزعون إلى الأسواق من كل فج عميق، يكيلون من الأطعمة ويتزودون من الكماليات، وكأن رمضانَ حفلةُ زفاف أو وليمة ُنجاح تُبسط فيها الموائدُ العريضة، وتنشر الأطعمة المتنوعة، ثم ترمى في النفايات، ناهيك عن جلب المأكولات من الأطعمة ومحلات الوجبات السريعة.
ومن الناس ـ عباد الله ـ من جعل رمضان فرصة سانحة للَّهو والسمر والسهر، ثم انطراح في الفراش كالموتى إلى الغروب، لا بصيام يتلذذون، ولا بقيام يعبدون، ليلهم ضياع، ونهارهم خسران، بين مجالس الغيبة والنميمة، وبين قنوات البث المباشر بخيماته الماجنة وفوازيره الضائعة، فسبحان الله! ماذا يستفيد هؤلاء من شهر الطاعة والمغفرة؟!