أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن شهر الصيام هو موسم النفوس الطائعة، وهو مدرسة كاملة للتربية على الأخلاق الفضيلة؛ من الأمانة والصبر والرحمة والشعور بآلام الفقير والمحتاج، فالصائم أمين على هذه العبادة التي لا يشوبها الرياء؛ لأن الصيام سرّ بين العبد وربه، وعهد على الطاعة والعبادة يقطعه المخلصون على أنفسهم، والصائمون على المعاصي طمعا في فضل ومغفرة خالقهم، وبهذا تسمو الأرواح، وتطيب الأعمال، وتصقل القلوب، وتنقّى السرائر، وتزكّى النفوس، ويذهب درَنها، ويتساقط وزرها. فهنيئا لمن أقبل بهمّة على صوم شهر رمضان، وأعدّ عدته ليكون من الصائمين القائمين احتسابا؛ لما روي عن الحبيب المصطفى عليه السلام: (( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ). إذًا فليغتنم المسلمون هذه الفرصة من أيام رمضان، ويقبلوا على مائدة الله فيه بنفوس راخية للطاعة في موكب العابدين السائرين بيقين نحو باب الريان يوم ينادي المنادي: أين الصائمون؟ فيقومون فلا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل أحد غيرهم.
أيها المسلمون، يا من تعّدون أنفسكم لصيام رمضان وقيام ليله وإحياء سنة نبيكم وخلفائه في التراويح والتسابيح وفعل الخيرات والبعد عن المعاصي والآثام والمنكرات ليقينكم أن الخاسر من أدراك رمضان ولم يغفر له، أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، وحتى يفوز المسلم بقيام جزيل الأجر أدعى للقبول عند الله تعالى عليه أن يتجنب كل ما يخدش الصيام ويذهب بثوابه كالغيبة والنميمة والإفساد بين الناس وخمش الكلام وسوء العمل لقول رسول الله: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) )، والرسول يقول: (( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ) ).
الخطبة الثانية