وقال حمزة بن حبيب الزيات رحمه الله وهو أحد القراء السبعة: نظرت في المصحف حتى خشيت أن يذهب بصري، قال الذهبي:"كان إمامًا حجةً، قيِّما بكتاب الله، عابدًا خاشعًا قانتًا لله، ثخين الورع، عديم النظير". وقال فيه أيضًا:"وكان رحمه الله يُقرئ القرآن حتى يتفرّق الناس، ثم ينهض فيصلي أربع ركعات، ثم يصلي ما بين الظهر والعصر وما بين المغرب والعشاء، وحدث بعض جيرانه أنه لا ينام الليل، وأنهم يسمعون قراءته يرتل القرآن".
كذا ـ يا مسلمون ـ كان سلفكم الصالح رضي الله عنهم، عرفوا قدر رمضان فاحترموه، وأدركوا فضله فسابقوا فيه، فاسلكوا آثارهم، وتشبهوا بهم حرصًا وجدًا واجتهادًا، كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90] .
أيها الإخوة الكرام، ها هو رمضان قد انتصف وتصرمت أيامه، رمضان الذي هنأنا أنفسنا به واستقبلناه قبل أيام ها هو يقطع شطر زمانه، فأين أنتم يا مسارعون؟! وأين أنتم يا سابقون؟! ليسأل كل واحد منا نفسه: ماذا حصل في خمسة عشر يومًا؟! هل كان من عمارها أم من الغافلين عنها؟ ! هل كان من المسارعين أم من الضائعين؟!
لقد أفلح أناس عرفوا قدر رمضان، فكانوا من عُبّاده وقوّامه، يقرؤون القرآن ويختمونه الختمات، ويستغرقون ساعاتهم في الذكر والتلاوة والعلم والصدقة والمعروف، أقبلوا على الطاعات وقد سمعوا المنادي: (( يا باغي الخير أقبل ) )، وكفوا عن الشهوات وقد سمعوا المنادي: (( يا باغي الشر أقصر ) ).
يا صائمون، ليزدد محسنكم من الإحسان، وليتأهب للعشر الأواخر الكريمات، وليكن أكثر عملًا وجدًا ومسارعة، وليتنبه غافلكم، وليتعظ مسيئكم، فإن الأيام منصرمة، والمنايا خطافة، والسعيد من اغتنم أيام زمانه قبل الحسرة والندامة، السعيد ذاك الصائم القانت الذاكر، من اهتبل الرحمات وبادر الباقيات الصالحات.