الجاسوسية لعبة الأذكياء فقط! لأنها تعتمد على الدهاء والمكر وحضور الذهن وقوة الذاكرة وغيرها من الصفات العقلية المطلوبة في العميل الجيد، فكثير من المواقف المفاجأة لا يخرجك منها بعد الله تعالى إلا سرعة البديهة وحسن التصرف وإلا فإنك ستكون محط شك وريبة لمن حولك، وتأمل في ردة فعل الصحابي حذيفة بن اليمان في هذا الموقف الخطير بعد أن أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ليتجسس على الأحزاب لتعرف قيمة هذه الميزة في العمل الاستخباري فلو أن حذيفة تأخر عن ردة الفعل السليمة والسريعة لكانت السيوف أقرب إليه من أي شيء آخر! ففي صحيح مسلم عن محمد بن كعب القرظي قال: (( قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا أبن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجتهد: قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا!. قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال:"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع"؟ فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة،"أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة"فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد فلما لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال:"يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا"قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة: (( فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت: من أنت؟ قال فلان بن فلان ) )؛ ثم قال: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضرب فوثب