فَشَا سُوء المعاملة بين المسلمين ووصل إلى حدٍّ صار الناس يَتَمَدَّحون به الكفَّارَ ويَذُمون المسلمين، فظلَم بذلك المسلمون دينَهم الذي يقوم على الحق والعدل، وبَجَّلُوا أهل الكفر، وقوانينهم التي تقوم على الجَوْر والظُّلْم؛ فما يتعاقد اثنان على عمل في الغالب والكثير أو يتشارَكان؛ حتى من أولئك الذين يدل مظهرُهم على المُحافظة على دين الله ـ تعالى ـ وشرعه، والوُقوف عند حدوده أمرًا ونهيًا ـ إلا وتسمع عن تعاملهما بعد حين ما يسوء ويُخَيِّب الآمال؛ مماطلةً في دفع الحقوق والديون، خلف في العهود والمواثيق، تحايُل على التنصُّل من الالتزامات، بعضهم لا يُراجع عمله منذ بدايته ليعرِف ما إذا كان يَتَّفِق مع شرع الله أو يُخالِفُه، فيكون بناء العمل من أساسه على باطل وما كان أساسه باطلًا لا يَصِير بعد ذلك صالحًا، وبعضهم يُراجع عمله على الشرع، ولكن يأخذ منه ويترك؛ لأنه يريد كسبًا سريعًا ـ ويرى أن بعض القيود تُعَوِّقه عن الصفَقات المُغرِية والكسب السريع، فيأخذ من الشرع ما يناسبه، وما لا يُناسبه من الأقوال المعروفة المشهورة في الدِّين يتركه، ليبحث عن فتوى شاذة أو قول غريب يُحلِّل له التعامل الذي يُريده، ويترك بذلك فتوى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"دع ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك"، ومَن تتبَّعْ شواذَّ المسائل، وغرائب الفتاوي اجتمع فيه الشر كله.