قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ...(95)
«فَإِنْ قِيلَ» : ما لا مثل له من النعم لا يمكن قيمته أكثر من قيمته، قيل له أترى، ذلك مثلا؟ فإن قال: بلى، قيل: فقد صارت القيمة مثلا في بعض الصيد، فما منع أن تكون مثلا في كل الصيد؛ فإن قال: المثل: هو الهدْي فيما له مثل، فأما ما لا مثل له من الهدْي، فليس الواجب فيه بمثل، إنما ذلك قيمة، ولم يجب ذلك بنص الكتاب، وإنَّمَا وجب - ذلك بنص الكتاب - المثل من الهدْي، فأما ما لا مثل له: فإنما وجب قيمته بالإجماع، قيل له: حدثنا عن قول اللَّه - تعالى: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) ، هل دخل في عموم الآية الفرخ ونحوه؛ فيكون منهيا عن قتله؟ فإن قال: نعم، قيل: فإذا دخل الفرخ في عموم النهي عن قتل الصيد فهو - أيضًا - داخل في عموم قوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا. . .) الآية. فإن قال: لا يدخل الفرخ في عموم قوله - تعالى: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) ، قيل له: قد قال اللَّه - تعالى: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) ، فروي أن ذلك في البيض والفراخ، فإن لم يجعل الفراخ ولا شيئا منها داخلا في الآية، فما معنى الآية؟ ونحن لا ننال بأيدينا من الصيد إلا ضعافه وما يعجز عن الطيران والعدو منه، فالآية توجب أن الصيد كله قد دخل في عمومها: ما قَلَّت قيمته، وما كثرت، وذلك يوجب أن يكون الواجب من قيمة الفرخ والعصفور مِثْلًا، واللَّه أعلم.
ولأن النعامة لا مثل لها من النعم، فمن أوجب فيها بدنة فقد أوجب فيها ما ليس بمثل لها ولا نظير، ومن أوجب فيها قيمتها فقد أوجب مثلا لها، فهو موافق للنص عندنا، واللَّه أعلم.
وكذلك الموجب في الحمامة شاة لا تشبه الصيد المقتول في عينه، ولا في صفته، ولا
في جنسه، فهو غير موجب المثل، بل الموجب فيها القيمة أقرب إلى إيجاب المثل فيها، واللَّه أعلم.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يسمّى قيمة الشيء:"مثلا"وليست من جنسه، وإنما المثل ما كان من جنس الشيء؟
قيل: قد ذكرنا أن قيمة ما لا مثل له من النعم تسمى:"مثلا"، ولأن اللَّه - تعالى - قال: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) ، وإذا جاز أن يسمى الصيام:"عدلا"للطعام، جاز أن تسمى القيمة:"عدلا"للصيد، وإنما صار الصيام عدلا للطعام بالتقويم والمثل، والعدل في المعنى متقارب، واللَّه أعلم.
ولأن اللَّه - تعالى: قال (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) ، ولو كان المراد من المثل: المنظور في رأي العين، لم يكن لشرط ذوي عدل فيه معنى؛ لأن المثل في رأي العين يعرفه كل أحد به بصر، فيه أو لم يكن؛ فدل ما شرط من نظر ذوي عدل على ما بطن فيه وخفي، لا ما ظهر، واللَّه أعلم.
وقوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) تأويله ما ذكرنا: ينظر إلى رجلين عدلين، لهما بصر ومعرفة في ذلك، فيقومانه، ثم يشتري بها هدْيًا إن شاء، فيهدي، وإن لم يبلغ هدْيا قومت الدراهم طعامًا، فإن لم يجد، صام مكان كل نصف صاع يومًا.