قوله تعالى: (لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ)
فنعمته عليه كانت من ثلاثة أوجه:
أحدها: في تذكير الزلة، وذلك كان بالتقام الحوت إياه، وكان عنده أن مفارقته قومه لم تكن زلة؛ لأنه إنما فارقهم لأن قومه كانوا له أعداء في الدِّين، ففارقهم لينجو منهم، وليسلم له دينه ولا يسمع المكروه منهم في اللَّه تعالى.
والثاني: أن في مفارقته إياهم تخويفًا منه لهم وتهويلًا؛ لأن القوم كان لا يفارقهم نبيهم من بين أظهرهم إلا عندما يريد أن ينزل بهم العذاب، وذلك مما يدعوهم إلى الإقلاع عما هم فيه ويدعوهم إلى الفزع إلى اللَّه تعالى، ومن خوف آخر بأمر يكون فيه دعاؤه إلى الهدى كان محمودًا مصيبًا؛ ولأن مفارقته إياهم هي التي دعتهم إلى الإسلام، فأسلموا لقوله: (فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) ، ومن كانت مفارقته لهذه الأوجه التي ذكرناها، لم تعد مفارقته زلة، بل عدت من أفضل شمائله، ولكن لحقته اللائمة مع هذا كله؛ لما ذكرنا أن الرسل لا يسعهم أن يفارقوا قومهم وإن اشتد عليهم الأذى من جهتهم إلا بعد وجود الإذن من اللَّه تعالى، وكانت مفارقته تلك بغير إذن، واللَّه أعلم.
ثم كان في ظنه أنه ليست تلك المفارقة زلة، ألا ترى إلى قوله - تعالى: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) ، قيل في التأويل: أي: لن نضيق عليه.
وقيل: أي: لن نعاقبه، فلولا أن عنده أن تلك المفارقة ليست بزلة وإلا كان لا يظن هذا؛ فتبين عنده بالتقام الحوت إياه وبما أفضى إليه من الشدائد أن تلك زلة منه، وتذكير الزلة من إحدى النعم.
والنعمة الثالثة: ما ذكرناها من توفيق اللَّه تعالى إياه بالتوبة، وإكرامه عليه بقبولها، ومن حكمه ألا يقبل التوبة ممن جاءه بأس اللَّه، وأحاط به العذاب، وهو إنما فزع إلى التوبة بعدما عاين العذاب، وجاءه بأس اللَّه تعالى.
وجائز أن يكون حكمه هذا في الكفرة، ليس في المؤمنين؛ لأنه قال في آية أخري: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) ، ففيه إشارة إلى أن من سبق منه الإيمان قبل أن يأتيه آيات ربه أو سبق منه كسب الخير من بعد الإيمان؛ فإن إيمانه في ذلك الوقت ينفعه، وقال في أهل الكفر: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ(84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ)، فهذا حكمه في أهل الشرك، وقال: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) ، وقال في المؤمنين: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) .
فثبت أن ما ذكرنا من الحكم هو حكمه في أهل الكفر، ليس في أهل الإيمان، والعقل يدل على هذا، وذلك أن المؤمن قد علم أن الذي سبق منه زلة وارتكاب معصية؛ فهو ليس يحتاج إلى إثبات آيات فتنبهه على أن الذي فعله زلة، فجائز أن تقبل منه التوبة في ذلك الوقت كما تقبل منه قبل تلك الحالة، وأما الكافر فعنده أن ما سبق منه لم يكن زلة ومعصية؛ فيحتاج إلى آيات تنبهه على غفلته، وتذكره بأن الذي فعله معصية، فإذا نزل به البأساء والشدة، فذلك يمنعه عن النظر والتدبر؛ فلا يكون إيمانه عن تحقيق ويقين فلا ينفعه.
والثاني: أنه يفزع إلى التوبة والإيمان؛ ليدفع عن نفسه البأساء؛ لا ليدوم عليه لو كشف عنه العذاب؛ كما قال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا) ، فهذا لا ينفعه إيمانه.
«فَإِنْ قِيلَ» : إن قوم يونس - عليه السلام - قد نفعهم إيمانهم وهم آمنوا بعدما أيقنوا بالعذاب؟
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون عذابهم موعودًا ولم يكن مشاهدًا قريبًا.
وجائز أن يكون اللَّه علم صدقهم في إيمانهم لو مكثوا فكشف عنهم العذاب لما كانوا متحققين، وغيرهم كان يفزع إلى الإيمان؛ ليكشف عنه العذاب، ثم يعود إلى كفره؛ فلم يقبل منه.
وجائز أن يكون من حكم اللَّه تعالى ألا يقبل من أحد التوبة إذا حل به العذاب، ولكنه يقبلها من المؤمنين؛ إفضالا وإنعامًا، ولا يتفضل على الكافرين الذين آثروا الدنيا على الآخرة.