قوله: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا)
يخرج على وجهين:
أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم اللَّه أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبحك بذلك، ونقدس لك؟!
أو كيف تحتمل عقولهم عصيانًا - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟!
فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) . .
أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أَنفسهم - تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداءِ لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك.
وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه.
فأخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن اللَّه لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به.
وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبرًا وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَز لغيرهم وموعظة، ولغير ذلك من الوجوه.
والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: (أَتَجْعلُ فِيهَا) على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفع، جل ثناؤك، من أَن يكون فعلك لأحد هذين.
وذلك كقوله: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ. . .) الآية. على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام.
مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله: (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) وقوله: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) بمعنى: إنكم تريدون، وذلك يرجع إلى الأول.
وقال:؛ معنى قوله: (إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) : أن اللَّه قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكَّرهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء.
ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة.
فأَراهم اللَّه بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ اللَّه وامتنانُه، ولا قوة إلا باللَّه.
وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريقِ الخطر بالقلوب، لا من طريق الزلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلو شأْنهم، ولعظمِ قدرهم.
كما قد عاتب اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنك. . .) الآية.
وقوله: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) .
وقوله: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ. . .) الآية. ولم يكن إثم في ذلك، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .) الآية؛ لأنه، من غير أَن كان منه عصيان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.