قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(2)
شدد اللَّه - تعالى - في الزنا وغلظ في أمره ما لم يشدد ولم يغلظ في غيره من الإجرام مثله:
منها: ما نهى عن تعطيل الحد فيه وإضاعته وتخفيفه؛ حيث قال: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) .
ومنها: ما أمر برجمه إذا كان محصنًا مثل ما يرجم الكلب ويقتل بالحجارة.
ومنها: ما أوجب على الرامي به من الحد إذا لم يأت بأربعة شهداء.
والزنا بهذا كله مخصوص من بين غيره من الإجرام؛ وذلك - واللَّه أعلم - لقبحه في العقل والطبع جميعًا، وكذلك في الشرع.
والدليل أنه قبيح في الطبع والعقل جميعًا ما ينفر عنه طبع كل مسلم وينفر عنه كل عقل سليم.
«فَإِنْ قِيلَ» : لو كان ينفر عنه لكان لا يرتكبه ولا يأتيه.
قيل: ينفر عنه إلا أن الشهوة التي مكنت فيه وركبت تغلبه وتمنعه عن النفار عنه؛ ألا ترى أنه لو تفكر مثله في المتصلات به من الأم والابنة وجميع المحارم، لم يحتمل قلبه ذلك، وبمثله روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن رجلا أتاه فقال له: ائذن لي في الزنا؛ فقال:"أرأيت لو فُعِل بابنتكَ وأمكَ مثلهُ: أكنت تكرهُ؟ فقال: نعم؛ فقال له: اكْرَهْ لِغَيرِكَ ما تكرهُ لنفسك": دل ذلك أنه قبيح في الطبع والعقل جميعًا إلا أن الشهوة تمنعه عن النفار عنه.
وفيه اشتباه الأنساب والمعارف التي جعلت فيما بين الخلق؛ حتى لا يهتدي أحد إلى معلم يعلمه الحكمة والآداب ومعالم السنن ولا الدعاء بالآباء، وارتفع التواصل وحفظ الحقوق التي يقوم بعض لبعض، والشفقة التي جعل لبعض على بعض: من التربية في الصغار، وحقوق المحارم وغيرهم، وبها امتحن البشر والعالم الصغير، وبطل خلق ما ذكر من الإنشاء لهذا العالم، وتسخير ما ذكر ما في السماوات والأرض لهم؛ فهذا كله يدل على قبح الزنا ونهايته في الفحش والمنكر؛ حتى لا يعرف هذا العالم قبحه ونهاية فحشه، وإنما يعرفه العالم الروحاني الذي لم يكن فيهم هذه الشهوة ولم يمتحنوا بها، وأمَّا هذا العالم الذي جعلت فيهم الشهوة لا يعرفون قدر قبحه وفحشه؛ لما تغلبهم وتمنعهم عن النفار عنه والنظر في معرفة قبحه؛ لهذا - واللَّه أعلم - ما شدد اللَّه - تعالى - أمر الزنا وغلظ في أحكامه ما لم يغلظ بمثله في غيره من الإجرام وعظم شأنه من بين سائر الآثام.