فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 334

قوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ)

قال أهل التأويل: أي: الحكم بالحق، والقضاء المذكور في الكتاب يخرج على وجوه: أحدها: (يَقْضِي) أي: يأمر؛ كقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) ؛ وكقوله: (إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا) ، أي: إذا أمر أمرًا، يقول: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) أي: يأمر بالحق، (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ) أي: لا يملكون الأمر بالحق، فكيف تعبدون من دونه؟!

والثاني: القضاء: الوحي والخبر؛ كقوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ) أي: أوحينا إليهم، فكأنه يقول: واللَّه يوحي بالحق ويخبر به، والذين يدعون من دونه لا يملكون الوحي ولا الخبر، فكيف اخترتم عبادتهم على عبادة من يوحي بالحق ويخبر؟! واللَّه أعلم.

والثالث: القضاء هو الخلق والإنشاء؛ كقوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) أي: خلقهن، فيكون قوله على هذا (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) ، أي: يخلق بالحق، والذين يدعون من دونه لا يخلقون شيئًا، وقد يعلمون استحقاق العبادة إنما يجوز بالخلق والإنشاء؛ وهو كقوله تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) ، (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) ، يقول: خلق من يدعون دونه كخلقه حتى تشابه ذلك عليهم فعبدوهم؛ إذ يعلمون أن من خلق ليس كمن لم يخلق، وقد تعلمون أنها لم تخلق شيئًا، فكيف عبدتموها؟! واللَّه أعلم.

ثم أقول: أصل التأويل (يَقْضِي بِالْحَقِّ) أي: يحكم بالحق في الدنيا بالآيات والحجج ما عرف كل أحد أنها حجج وآيات وبراهين، والحكم بما ذكرنا حكم بالحق، واللَّه أعلم.

والثاني: أي يحكم بالحق في الآخرة وهو الشفاعة، أي: لا يجعل الشفاعة لمن يعبدون على رجاء الشفاعة؛ كقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ) ، ولكن إنما يجعل لمن ارتضى؛ كقوله تعالى: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) ، واللَّه أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت