قوله تعالى: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا(10)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف لم يؤذن بالدعاء عليهم؛ ليحملهم ذلك على الإسلام، ويمنعهم عن التكذيب؟
قيل له: لأن فيما ذكرته رفع المحنة والابتلاء؛ لأن الحجة إذ ذاك تقع من جهة الضرورة؛ لأنهم إذا علموا أنهم يستأصلون بالتكذيب، امتنعوا عنه، وأجابوا إلى الإسلام كرها؛ فتصير الحجج اضطرارية، لا تمييزية واختيارية، وحجج الرسل - عليهم السلام - اختيارية، لا ضرورية؛ لما ذكرنا أنها لو جعلت اضطرارية، لارتفعت المحنة؛ فجعلت حججهم من وجه يقع بها الشبه؛ ليوصل إلى معرفتها بالفكر؛ لئلا ترتفع المحنة.
فإن قال قائل: إن أبا حنيفة - رحمه اللَّه - ذكر في كتاب العالم والمتعلم: أن إيمان الملائكة وإيمان الرسل وإيماننا واحد، ثم قال: فإذا استوينا نحن والرسل في الإيمان، فكيف صار الثواب لهم أكمل، وخوفهم من اللَّه أشد؟
فأجاب عن هذا السؤال بأجوبة، وقال في جملة ما أجاب: إنهم لو ارتكبوا الزلات يحل بهم العقاب عقيب الزلل؛ فصار خوفهم باللَّه تعالى ألزم من هذه الجهة.
ولسائل أن يسأل على هذا، فيقول: فإذن إيمانهم باللَّه تعالى، وتركهم المعاصي ضروري لا اختياري؟!
فيجاب عنه بأن يقال بأن الأنبياء - عليهم السلام - لم يُبَيَّنْ لهم العصمة، بل كانوا على خوف من وقوعهم في المهالك؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم - عليه السلام: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) ، ولو كانت العصمة له ظاهرة، لكان يستغني عن السؤال.
وقال في قصة شعيب - عليه السلام: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) ، فثبت أنه لم يبين لهم العصمة، ونحن إنما شهدنا لهم بالعصمة بالوجود؛ لأن الحكمة توجب العصمة، والرسل - عليهم السلام - أمروا بتبليغ الرسالة، ولم يؤذن لهم بالنظر في أمر من تقدمهم من الرسل؛ ليظهر لهم العصمة بالتدبر والتفكر؛ فثبت أنهم كانوا على الخوف والرجاء في فكاك أنفسهم، وفي وقوعها في المهالك، وأن إيمانهم باللَّه تعالى لم يكن ضروريًّا، بل وصلوا إلى معرفته بالتمييز؛ لذلك عظمت درجاتهم.
والثاني: أن الأنبياء - عليهم السلام - قد كان تقرر في قلوبهم هيبة اللَّه تعالى وعظمته؛ فكانت المعرفة هي التي دعتهم إلى الإيمان به، لا خوف حلول العقوبة بهم لو ارتكبوا الزلات، وأما الكفرة، فلم يعرفوا عظمة اللَّه تعالى، ولا قدرته، ولا سلطانه حتى يحملهم ذلك على الإيمان به، فلو حلت العقوبة بهم بالتكذيب، لكان الخوف هو الذي يحملهم على الإيمان لا غير؛ فيصير إيمانهم ضروريا؛ فلهذا لم يعاقبوا بالتكذيب؛ لئلا ترتفع المحنة، وخولف بينهم وبين غيرهم، وهذا كما نقول بأن أنباء من تقدم من الرسل حجة لرسولنا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في إثبات نبوته، وإن كانت تلك الأنباء قد عرفها أهل الكتاب، وأخبروا بها؛ لأن أهل الكتاب عرفوا تلك الأنباء بالتعلم والتلقين، ولم يختلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى من عنده علم تلك الأنباء؛ فعلم أنه باللَّه تعالى علم، لا بتعليم أحد؛ فصارت الأنباء حججا لذلك، ولو لم تصر لغيره حجة، واللَّه أعلم.