فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 334

قوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ(101)

إن كان قوله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) في الناس كلهم؛ فذلك في اختلاف المواطن، على ما قال ابن عَبَّاسٍ وغيره من أهل التأويل، واختلاف الأوقات: لا يتساءلون في موطن أو في وقت، ويتساءلون في وقت آخر؛ ألا ترى أنه قال: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) ، ونحوه.

وإن كانت الآية في أهل، الكفر خاصة فهو يخرج على وجهين:

أحدهما: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) ؛ لأنه كان يتناصر بعضهم ببعض على غيرهم، ويستعين بعضهم بعضا، ويكونون ردءًا لهم في هذه الدنيا وشفعاء وأعوانًا وأنصارًا، فأخبر أن ذلك ينقطع بينهم ويذهب ذلك التناصر عنهم في الآخرة، والعرب خاصة كان يتفاخر بعضهم على بعض بالأنساب ويتناصر؛ فأخبر أن ذلك منقطع عنهم في الآخرة.

والثاني: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) وما ذكر (يَوْمَئِذٍ) ؛ لشغلهم بأنفسهم؛ لفزع ذلك اليوم وأهواله ينسى بعضهم بعضا ويهرب منه، كقوله: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ. . .) الآية، وقوله: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. . .) الآية، وقال في آية أخرى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى. . .) الآية، فذلك كله؛ لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه كان لكل في نفسه شغلا حتى لا يتفرغ إلى أحد وإن قرب عنه لشغلهم بأنفسهم.

وإن كان في الناس جميعًا فهو ما ذكرنا أن ذلك يكون في اختلاف المواطن والأوقات: يسألون في وقت ولا يسألون في وقت، ويسألون في موطن ولا يسألون في موضع، أو يسألون عن شيء ولا يسألون عن آخر، وروي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال:"كلُّ نَسَب كانَ فهو منقطعٌ إلا نسبي"أو كلام نحو هذا، ثم يحتمل قوله:"إلا نسبي"وجهين:

أحدهما: الشفاعة له في أنسابه، لا يكون ذلك لغيره في نسبه؛ فإذا أراد هذا فهو على حقيقة نسبه.

والثاني: أراد بقوله:"إلا نسبي": المعين له في دينه؛ لأن كل من اتبعه فقد انتسب إليه؛ فكأنه قال: إن كل ذى شفاعة دوني فهو منقطع إلا شفاعتي، فيمن اتبعني وانتسب إليَّ بقبوله ديني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت