فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 334

قوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)

من الناس من يستدل على أنه إذا لم يكن سواه خالقًا لم يكن لقوله: (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) معنى؛ كقوله: (أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، و (أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) ، ونحوه، إنما قال هذا لما يكون سواه رحيمًا حكيمًا كريمًا؛ فأخبر أنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين؛ فعلى ذلك ما قال: (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) .

ولكن جائز القول بمثل هذا عند الناس على غير إثبات آخر سواه في ذلك حقيقة، وهو يخرج على وجوه:

أحدها: (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) مما تنسبون أنتم إليه، وتجعلونه خالقًا عندكم؛ كقوله: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ) : إبراهيم لم يسم معبودهم الذي عبدوه إلها على جعل الألوهية له، ولكن على ما سموا هم ونسبوا الألوهية إليه، وكذلك قول موسى، حيث قال: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا) ، على ما عندهم، ليس على تسمية الإله له حقيقة؛ دل ما ذكرنا على أن تسمية ما ذكر وذكره يجوز، وإن لم يكن هنالك سواه إلها خالقًا، وكذلك قوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) : ليس على أن لهم شفعاء يشفعون لهم؛ ولكن لا شفعاء لهم؛ فعلى ذلك ما ذكرنا.

والثاني: تأويل (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، أي: لو جاز أن يكون خالق آخر سواه لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، وهو كقوله: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أي: لو جاز أن يتخذ ولدًا لاصطفى مما ذكر، لكن لا يجوز، وكذلك قوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) ، أي: لو جاز أن يكون كذا لكان كذا، ليس على أنه يجوز أن يكون، وكذلك قوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ. . .) الآية، أي: لو جاز أن يكون معه إله لذهب بما ذكر، لكن لا يجوز؛ فعلى ذلك قوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، أي: لو جاز أن يكون هنالك خالق غيره لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، واللَّه الموفق.

والثالث: ذكر أحسن الخالقين؛ لما أن العرب تسمي كل صانع شيء خالقًا؛ فخرج الذكر لهم على ما يسمونهم، ليس على حقيقة الخلق لمن دونه؛ كقول عيسى حيث قال: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت