ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى كَمَا أَرَادَ مِنَّا نَفْسَ الطَّاعَةِ، فَلَا جَرَمَ بَيَّنَهَا وَأَزَالَ الشُّبْهَةَ عَنْهَا، كَذَلِكَ وَقَعَ التَّقْصِيرُ وَالتَّفْرِيطُ مِنَّا، فَيُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ قَدْ يُطِيعُ فَيَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ، وَقَدْ يَعْصِي فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّلَافِي بِالتَّوْبَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ إِشْكَالًا: وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا يَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ للَّه تَعَالَى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا للَّه تَعَالَى، وَالْآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: فَلِأَنَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كُلَّ مَا يُرِيدُهُ اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ يَحْصُلُ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا وَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ التَّوْبَةُ لِكُلِّنَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: فَهُوَ تَعَالَى يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نَتُوبَ بِاخْتِيَارِنَا وَفِعْلِنَا، وَقَوْلُهُ: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) ظَاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ التَّوْبَةَ فِينَا وَيَحْصُلُ لَنَا هَذِهِ التَّوْبَةُ، فَهَذِهِ الْآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ؟
وَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ قَوْلَهُ: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ التَّوْبَةَ فِينَا.